cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:216

al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi

هَذَا هُوَ فَرْضُ الْجِهَادِ، بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذَا مِمَّا امْتُحِنُوا بِهِ وَجُعِلَ وَصْلَةً إِلَى الْجَنَّةِ. وَالْمُرَادُ بِالْقِتَالِ قِتَالُ الْأَعْدَاءِ مِنَ الْكُفَّارِ، وَهَذَا كَانَ مَعْلُومًا لَهُمْ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَلَمْ يُؤْذَنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي الْقِتَالِ مُدَّةَ إِقَامَتِهِ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا هَاجَرَ أُذِنَ لَهُ فِي قِتَالِ مَنْ يُقَاتِلُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ تَعَالَى:" أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا "ثُمَّ أُذِنَ لَهُ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ عَامَّةً. وَاخْتَلَفُوا مَنِ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقِيلَ: أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً، فَكَانَ الْقِتَالُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الشَّرْعُ صار على الكفاية، قال عَطَاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَوَاجِبٌ الْغَزْوُ عَلَى النَّاسِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّمَا كُتِبَ عَلَى أُولَئِكَ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْأُمَّةِ: أَوَّلُ فَرْضِهِ إِنَّمَا كَانَ عَلَى الْكِفَايَةِ دُونَ تَعْيِينٍ، غَيْرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَنْفَرَهُمْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمُ النَّفِيرُ لِوُجُوبِ طَاعَتِهِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: إِنَّ الْجِهَادَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي عَيْنِهِ أَبَدًا، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالَّذِي اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ أَنَّ الْجِهَادَ عَلَى كُلِّ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِذَا قَامَ بِهِ مَنْ قَامَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ الْعَدُوُّ بِسَاحَةِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ حِينَئِذٍ فَرْضُ عَيْنٍ، وَسَيَأْتِي هَذَا مُبَيَّنًا فِي سُورَةِ" بَرَاءَةٌ "إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَذَكَرَ الْمَهْدَوِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْجِهَادُ تَطَوُّعٌ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ عِنْدِي إِنَّمَا هِيَ عَلَى سُؤَالِ سَائِلٍ وَقَدْ قِيمَ بِالْجِهَادِ، فَقِيلَ لَهُ: ذَلِكَ تَطَوُّعٌ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، وَهُوَ كُرْهٌ فِي الطِّبَاعِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْكُرْهُ الْمَشَقَّةُ، وَالْكَرْهُ- بِالْفَتْحِ- مَا أُكْرِهْتَ عَلَيْهِ، هَذَا هو الاختيار، وَيَجُوزُ الضَّمُّ فِي مَعْنَى الْفَتْحِ فَيَكُونَانِ لُغَتَيْنِ، يُقَالُ: كَرِهْتُ الشَّيْءَ كَرْهًا وَكُرْهًا وَكَرَاهَةً وَكَرَاهِيَةً، وَأَكْرَهْتُهُ عَلَيْهِ إِكْرَاهًا. وَإِنَّمَا كَانَ الْجِهَادُ كُرْهًا لِأَنَّ فِيهِ إِخْرَاجَ الْمَالِ وَمُفَارَقَةَ الْوَطَنِ وَالْأَهْلِ، وَالتَّعَرُّضَ بِالْجَسَدِ لِلشِّجَاجِ وَالْجِرَاحِ وَقَطْعِ الْأَطْرَافِ وَذَهَابِ النَّفْسِ، فَكَانَتْ كَرَاهِيَتُهُمْ لِذَلِكَ، لَا أَنَّهُمْ كَرِهُوا فَرْضَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّهُمْ كَرِهُوهُ ثُمَّ أَحَبُّوهُ وَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، وَهَذَا لِأَنَّ امْتِثَالَ الْأَمْرِ يَتَضَمَّنُ مَشَقَّةً، لَكِنْ إِذَا عُرِفَ الثَّوَابُ هَانَ فِي جَنْبِهِ مُقَاسَاةُ الْمَشَقَّاتِ. قُلْتُ:

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.