Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:203
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
عِنْدَهَا. وَإِذَا ثَبَتَ فَالرَّمْيُ بِاللَّيْلِ جَائِزٌ لِمَنْ فَعَلَهُ، وَالِاخْتِيَارُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى زَوَالِهَا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى زَوَالِهَا، وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ إِنْ رَمَاهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ فَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ ولا شي عَلَيْهِ، إِلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ قَالَ: أَسْتَحِبُّ لَهُ إِنْ تَرَكَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى أَمْسَى أَنْ يهريق دما يجئ بِهِ مِنَ الْحِلِّ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَمْ يَرْمِهَا حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ فَرَمَاهَا مِنَ اللَّيْلِ أَوْ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ دَمٌ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لِرَمْيِ الْجَمْرَةِ وَقْتًا، وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَمَنْ رَمَى بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَدْ رَمَاهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا، وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا فِي الْحَجِّ بَعْدَ وَقْتِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا دَمَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ السَّائِلُ: يا رسول الله، رميت بعد ما أَمْسَيْتُ فَقَالَ: "لَا حَرَجَ"، قَالَ مَالِكٌ: مَنْ نَسِيَ رَمْيَ الْجِمَارِ حَتَّى يُمْسِيَ فَلْيَرْمِ أَيَّةَ سَاعَةٍ ذَكَرَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، كَمَا يُصَلِّي أَيَّةَ سَاعَةٍ ذَكَرَ، وَلَا يَرْمِي إِلَّا مَا فَاتَهُ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَتْ جَمْرَةً وَاحِدَةً رَمَاهَا، ثُمَّ يَرْمِي مَا رَمَى بَعْدَهَا مِنَ الْجِمَارِ، فَإِنَّ التَّرْتِيبَ فِي الْجِمَارِ وَاجِبٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَعَ فِي رَمْيِ جَمْرَةٍ حَتَّى يُكْمِلَ رَمْيَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى كَرَكَعَاتِ الصَّلَاةِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنَ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَيْسَ التَّرْتِيبُ بِوَاجِبٍ فِي صِحَّةِ الرَّمْيِ، بَلْ إِذَا كَانَ الرَّمْيُ كُلُّهُ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ أَجْزَأَهُ. الثَّالِثَةُ- فَإِذَا مَضَتْ أَيَّامُ الرَّمْيِ فَلَا رَمْيَ، فَإِنْ ذكر بعد ما يصدر وهو بمكة أو بعد ما يَخْرُجُ مِنْهَا فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَسَوَاءٌ تَرَكَ الْجِمَارَ كُلَّهَا، أَوْ جَمْرَةً مِنْهَا، أَوْ حَصَاةً مِنْ جَمْرَةٍ حَتَّى خَرَجَتْ أَيَّامُ مِنًى فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ تَرَكَ الْجِمَارَ كُلَّهَا فعليه دم، وإن ترك جمرة واحدة كَانَ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَصَاةٍ مِنَ الْجَمْرَةِ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ، إِلَى أَنْ يَبْلُغَ دَمًا فَيُطْعِمُ مَا شَاءَ، إِلَّا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَتَصَدَّقُ إِنْ تَرَكَ حَصَاةً. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يُطْعِمُ فِي الْحَصَاةِ وَالْحَصَاتَيْنِ وَالثَّلَاثِ، فإن ترك أربعة فَصَاعِدًا فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَقَالَ اللَّيْثُ: فِي الْحَصَاةِ الْوَاحِدَةِ دَمٌ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ: إِنَّ فِي الْحَصَاةِ الْوَاحِدَةِ مُدًّا مِنْ طَعَامٍ، وَفِي حَصَاتَيْنِ مُدَّيْنِ، وَفِي ثَلَاثِ حَصَيَاتٍ دَمٌ. الرَّابِعَةُ- وَلَا سَبِيلَ عِنْدَ الْجَمِيعِ إِلَى رَمْيِ مَا فَاتَهُ