Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:198
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُدَ، وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ: لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ. الْخَامِسَةُ- وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ رَاكِبًا لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَذَلِكَ وَقَفَ إِلَى أَنْ دَفَعَ مِنْهَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَهَذَا مَحْفُوظٌ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ وَحَدِيثِ عَلِيٍّ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا. قَالَ جَابِرٍ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ خَلْفَهُ، الْحَدِيثَ. فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوبِ وَقَفَ قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ دَاعِيًا، مَا دَامَ يَقْدِرُ، وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي الْجُلُوسِ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْوُقُوفِ، وَفِي الْوُقُوفِ رَاكِبًا مُبَاهَاةٌ وَتَعْظِيمٌ لِلْحَجِّ ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ قَالَ لِي مَالِكٌ: الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْإِبِلِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقِفَ قَائِمًا، قَالَ: وَمَنْ وَقَفَ قَائِمًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَرِيحَ. السَّادِسَةُ- ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ إِذَا أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ يَسِيرُ الْعَنَقُ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ. قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: وَالنَّصُّ فوق العنق وَهَكَذَا يَنْبَغِي عَلَى أَئِمَّةِ الْحَاجِّ فَمَنْ دُونَهُمْ، لِأَنَّ فِي اسْتِعْجَالِ السَّيْرِ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ اسْتِعْجَالُ الصَّلَاةِ بِهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَغْرِبَ لَا تُصَلَّى تِلْكَ اللَّيْلَةَ إِلَّا مَعَ الْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَتِلْكَ سُنَّتُهَا، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. السَّابِعَةُ- ظَاهِرُ عُمُومِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَرَفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ، قَالَ ﷺ: (وَوَقَفْتُ هَا هُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ. وَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ وَالْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ (. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا الْحَدِيثُ يَتَّصِلُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَكْثَرُ الْآثَارِ لَيْسَ فِيهَا اسْتِثْنَاءٌ بَطْنُ عُرَنَةَ مِنْ عَرَفَةَ، وَبَطْنُ مُحَسِّرٍ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ،