Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:197
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
الْعَاشِرَةُ- وَاخْتَلَفَتِ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِهِ هُنَا عَلَى أَقْوَالٍ سِتَّةٍ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ: الْجِدَالُ هُنَا أَنْ تُمَارِيَ مُسْلِمًا حَتَّى تُغْضِبَهُ فَيَنْتَهِي إِلَى السِّبَابِ، فَأَمَّا مُذَاكَرَةُ الْعِلْمِ فَلَا نَهْيَ عَنْهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْجِدَالُ السِّبَابُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: الْجِدَالُ هُنَا أَنْ يَخْتَلِفَ النَّاسُ: أَيُّهُمْ صَادَفَ مَوْقِفَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حِينَ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَقِفُ فِي غَيْرِ مَوْقِفِ سَائِرِ الْعَرَبِ، ثُمَّ يَتَجَادَلُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ: لَا جِدَالَ فِي مَوَاضِعِهِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْجِدَالُ هُنَا أَنْ تَقُولَ طَائِفَةٌ: الْحَجُّ الْيَوْمَ، وَتَقُولُ طَائِفَةٌ: الْحَجُّ غَدًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَطَائِفَةٌ مَعَهُ: الْجِدَالُ الْمُمَارَاةُ فِي الشُّهُورِ حَسَبَ مَا كانت عليه العرب من النسي، كَانُوا رُبَّمَا جَعَلُوا الْحَجَّ فِي غَيْرِ ذِي الْحَجَّةِ، وَيَقِفُ بَعْضُهُمْ بِجَمْعٍ وَبَعْضُهُمْ بِعَرَفَةَ، وَيَتَمَارَوْنَ فِي الصَّوَابِ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: فَعَلَى هَذَيْنَ التَّأْوِيلَيْنِ لَا جِدَالَ فِي وَقْتِهِ وَلَا فِي مَوْضِعِهِ، وَهَذَانَ الْقَوْلَانِ أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ "وَلا جِدالَ"، لِقَوْلِهِ ﷺ: (إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يوم خلق الله السموات وَالْأَرْضَ) الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي فِي "بَرَاءَةٌ" . يَعْنِي رَجَعَ أم الْحَجِّ كَمَا كَانَ، أَيْ عَادَ إِلَى يَوْمِهِ وَوَقْتِهِ. وَقَالَ ﷺ لَمَّا حَجَّ: (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِككُمْ) فَبَيَّنَ بِهَذَا مَوَاقِفَ الْحَجِّ وَمَوَاضِعَهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: الْجِدَالُ أَنْ تَقُولَ طَائِفَةٌ: حَجُّنَا أَبَرُّ مِنْ حَجِّكُمْ. وَيَقُولُ الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: الْجِدَالُ كَانَ فِي الْفَخْرِ بِالْآبَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ شَرْطٌ وَجَوَابُهُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ يُجَازِيكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ، لِأَنَّ الْمُجَازَاةَ إِنَّمَا تَقَعُ من العالم بالشيء. وقيل: هُوَ تَحْرِيضٌ وَحَثٌّ عَلَى حُسْنِ الْكَلَامِ مَكَانَ الْفُحْشِ، وَعَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى فِي الْأَخْلَاقِ مَكَانَ الْفُسُوقِ وَالْجِدَالِ. وَقِيلَ: جُعِلَ فِعْلُ الْخَيْرِ عِبَارَةً عَنْ ضَبْطِ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى لَا يُوجَدَ مَا نُهُوا عَنْهُ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ أَمْرٌ بِاتِّخَاذِ الزَّادِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي طائفة من العرب كانت تجئ إِلَى الْحَجِّ بِلَا زَادٍ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: كَيْفَ نَحُجُّ بَيْتَ اللَّهِ وَلَا يُطْعِمُنَا، فَكَانُوا يَبْقَوْنَ عَالَةً عَلَى النَّاسِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وَأُمِرُوا بِالزَّادِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: كَانَ النَّاسُ يَتَّكِلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالزَّادِ،