Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:189
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
فَقُلْنَا: إِنَّا رَأَيْنَا الْهِلَالَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ. فَقَالَ: أَيَّ لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ؟ قَالَ فَقُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ مَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ) فَهُوَ لِلَّيْلَةِ رَأَيْتُمُوهُ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها﴾ اتَّصَلَ هَذَا بِذِكْرِ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ لِاتِّفَاقِ وُقُوعِ الْقَضِيَّتَيْنِ فِي وَقْتِ السُّؤَالِ عَنِ الْأَهِلَّةِ وَعَنْ دُخُولِ الْبُيُوتِ مِنْ ظُهُورِهَا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِيهِمَا جَمِيعًا. وَكَانَ الْأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا وَعَادُوا لَا يَدْخُلُونَ مِنْ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَهَلُّوا بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ يَلْتَزِمُونَ شَرْعًا أَلَّا يَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ حَائِلٌ، فَإِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، أَيْ مِنْ بَعْدِ إِحْرَامِهِ مِنْ بَيْتِهِ، فَرَجَعَ لِحَاجَةٍ لَا يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الْحُجْرَةِ مِنْ أَجْلِ سَقْفِ الْبَيْتِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ، فَكَانَ يَتَسَنَّمُ ظَهْرَ بَيْتِهِ عَلَى الْجُدْرَانِ ثُمَّ يَقُومُ فِي حُجْرَتِهِ فَيَأْمُرُ بِحَاجَتِهِ فَتَخْرُجُ إِلَيْهِ مِنْ بَيْتِهِ. فَكَانُوا يَرَوْنَ هَذَا مِنَ النُّسُكِ وَالْبِرِّ، كَمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَشْيَاءَ نُسُكًا، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ فِيهَا، وَبَيَّنَ الرَّبُّ تَعَالَى أَنَّ الْبِرَّ فِي امْتِثَالِ أَمْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ: كَانَ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِذَا أَحْرَمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِالْحَجِّ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدَرِ- يَعْنِي مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتِ- نَقَّبَ فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ فَمِنْهُ يَدْخُلُ وَمِنْهُ يَخْرُجُ، أَوْ يَضَعُ سُلَّمًا فَيَصْعَدُ مِنْهُ وَيَنْحَدِرُ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَبَرِ- يَعْنِي أَهْلَ الْخِيَامِ- يَدْخُلُ مِنْ خَلْفِ الْخِيَامِ الْخَيْمَةَ، إِلَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْحُمْسِ. وَرَوَى الزُّهْرِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ بِالْعُمْرَةِ فَدَخَلَ حُجْرَتَهُ وَدَخَلَ خَلْفَهُ رَجُلٌ أَنْصَارِيٌّ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، فَدَخَلَ وَخَرَقَ عَادَةَ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: (لِمَ دَخَلْتَ وَأَنْتَ قَدْ أَحْرَمْتَ). فَقَالَ: دَخَلْتَ أَنْتَ فَدَخَلْتُ بِدُخُولِكَ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: (إِنِّي أَحْمَسُ" أَيْ مِنْ قَوْمٍ لَا يَدِينُونَ بِذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: وأنا ديني دينك، فنزلت الآية، وقاله ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ قُطْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيُّ. وَالْحُمْسُ: قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ وَخُزَاعَةُ وَثَقِيفٌ وَجُشَمٌ وَبَنُو عَامِرِ بن صعصعة وبنو نصر ابن مُعَاوِيَةَ. وَسُمُّوا حُمْسًا لِتَشْدِيدِهِمْ فِي دِينِهِمْ. وَالْحَمَاسَةُ الشِّدَّةُ. قَالَ الْعَجَّاجُ: