Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:187
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
يَرُدُّهُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ انْقِضَاءِ الشَّهْرِ، وَلَوْ كَانَ الْمُقَامُ لَيْلَةَ الْفِطْرِ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ لَمَا صَحَّ اعْتِكَافٌ لَا يَتَّصِلُ بِلَيْلَةِ الْفِطْرِ، وَفِي الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُقَامَ لَيْلَةِ الْفِطْرِ لِلْمُعْتَكِفِ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ. فَهَذِهِ جُمَلٌ كَافِيَةٌ مِنْ أَحْكَامِ الصِّيَامِ وَالِاعْتِكَافِ اللَّائِقَةِ بِالْآيَاتِ، فِيهَا لِمَنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا كِفَايَةٌ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلْهِدَايَةِ. الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أَيْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ حُدُودُ الله فلا تخالفوا، ف "تِلْكَ" إشارة إلى هذه الأوامر والنوهى. وَالْحُدُودُ: الْحَوَاجِزُ. وَالْحَدُّ: الْمَنْعُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْحَدِيدُ حَدِيدًا، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ السِّلَاحِ إِلَى البدن. وسمي البواب والسبحان حَدَّادًا، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مَنْ فِي الدَّارِ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهَا، وَيَمْنَعُ الْخَارِجَ مِنَ الدُّخُولِ فِيهَا. وَسُمِّيَتْ حُدُودُ اللَّهِ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا، وَأَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا هُوَ مِنْهَا، وَمِنْهَا سُمِّيَتِ الْحُدُودُ فِي الْمَعَاصِي، لأنها تمنع أصحابهما مِنَ الْعَوْدِ إِلَى أَمْثَالِهَا. وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْحَادُّ فِي الْعِدَّةِ، لِأَنَّهَا تَمْتَنِعُ مِنَ الزِّينَةِ. السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ﴾ أَيْ كَمَا بَيَّنَ هَذِهِ الْحُدُودَ يُبَيِّنُ جَمِيعَ الْأَحْكَامِ لِتَتَّقُوا مُجَاوَزَتَهَا. وَالْآيَاتُ: الْعَلَامَاتُ الْهَادِيَةُ إلى الحق. و "لَعَلَّهُمْ" تَرَجٍّ فِي حَقِّهِمْ، فَظَاهِرُ ذَلِكَ عُمُومٌ وَمَعْنَاهُ خُصُوصٌ فِيمَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ لِلْهُدَى، بِدَلَالَةِ الْآيَاتِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ أَنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ.