Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:187
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
غَيْرُ حَالَاتِهِمْ فَقَالَ: (لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي). فَلَمَّا كَمُلَ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ وَاسْتَحْكَمَ فِي صُدُورِهِمْ وَرَسَخَ، وَكَثُرَ الْمُسْلِمُونَ وَظَهَرُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَاصَلَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَأَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمْ أَعْلَى الْمَقَامَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: تَرْكُ الْوِصَالِ مَعَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ وَقَهْرِ الْأَعْدَاءِ أَوْلَى، وَذَلِكَ أَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ وَأَعْلَى الْمَنَازِلِ وَالْمَقَامَاتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ بِزَمَانِ صَوْمٍ شَرْعِيٍّ، حَتَّى لَوْ شَرَعَ إِنْسَانٌ فِيهِ الصَّوْمَ بِنِيَّةِ مَا أُثِيبَ عَلَيْهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ وَاصَلَ، وَإِنَّمَا الصَّحَابَةُ ظَنُّوا ذَلِكَ فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُطْعَمُ وَيُسْقَى. وَظَاهِرُ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ: أنه ﷺ يُؤْتَى بِطَعَامِ الْجَنَّةِ وَشَرَابِهَا. وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَرِدُ عَلَى قَلْبِهِ مِنَ الْمَعَانِي وَاللَّطَائِفِ، وَإِذَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ فَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ حَتَّى يَرِدَ دَلِيلٌ يُزِيلُهَا. ثُمَّ لَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ وَهُوَ عَلَى عَادَتِهِ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُمْ عَلَى عَادَتِهِمْ حَتَّى يَضْعُفُوا وَيَقِلَّ صَبْرُهُمْ فَلَا يُوَاصِلُوا. وَهَذِهِ حَقِيقَةُ التَّنْكِيلِ حَتَّى يَدَعُوا تَعَمُّقَهُمْ وَمَا أَرَادُوهُ مِنَ التَّشْدِيدِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. وَأَيْضًا لَوْ تَنَزَّلْنَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: (أُطْعَمَ وَأُسْقَى) الْمَعْنَى لَكَانَ مُفْطِرًا حُكْمًا، كَمَا أَنَّ مَنِ اغْتَابَ فِي صَوْمِهِ أَوْ شَهِدَ بِزُورٍ مُفْطِرٍ حُكْمًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، قَالَ ﷺ: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةً فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ). وَعَلَى هَذَا الْحَدِّ مَا وَاصَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَمَرَ بِهِ، فَكَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ- وَيُسْتَحَبُّ لِلصَّائِمِ إِذَا أَفْطَرَ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى رُطَبَاتٍ أَوْ تَمَرَاتٍ أَوْ حُسُوَاتٍ مِنَ الْمَاءِ، لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَمَرَاتٌ حَسَا حُسُوَاتٍ مِنْ مَاءٍ. وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ فِيهِ: إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: (لَكَ صُمْنَا وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْنَا فَتَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا أَفْطَرَ: (ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ). خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ