Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:187
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
في الوجهين شي، لَا قَضَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ إِنْ جَامَعَ، وَقَالَ: مِثْلَ هَذَا لَا يُنْسَى. وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ: سَوَاءٌ وَطِئَ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمُوجِبَ لِلْكَفَّارَةِ لَمْ يُفَرَّقْ فِيهِ بَيْنَ الناسي والعامد. قال ابن المنذر: لا شي عَلَيْهِ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ- قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: إِذَا أَكَلَ نَاسِيًا فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ فَطَّرَهُ فَجَامَعَ عَامِدًا أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَبِهِ نَقُولُ. وَقِيلَ فِي الْمَذْهَبِ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ إِنْ كَانَ قَاصِدًا لِهَتْكِ حُرْمَةِ صَوْمِهِ جُرْأَةً وَتَهَاوُنًا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَدْ كَانَ يَجِبُ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ أَلَّا يُكَفِّرَ، لِأَنَّ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا فَهُوَ عِنْدُهُ مُفْطِرٌ يَقْضِي يَوْمَهُ ذَلِكَ، فَأَيَّ حُرْمَةٍ هَتَكَ وَهُوَ مُفْطِرٌ. وَعِنْدَ غَيْرِ مَالِكٍ: لَيْسَ بِمُفْطِرٍ كُلُّ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ. قُلْتُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وبه قال الجمهور: إن مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَإِنَّ صَوْمَهُ تَامٌّ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إِذَا أَكَلَ الصَّائِمُ نَاسِيًا أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ تَعَالَى [إِلَيْهِ] وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ- فِي رِوَايَةٍ- وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّ اللَّهَ أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ (. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَقَالَ: إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ. قَالَ أَبُو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسئل عَمَّنْ أَكَلَ نَاسِيًا فِي رَمَضَانَ، قال: ليس عليه شي على حديث أَبِي هُرَيْرَةَ. ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَالِكٌ: وَزَعَمُوا أَنَّ مَالِكًا يَقُولُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ! وضحك. وقال ابن المنذر: لا شي عَلَيْهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا: (يَتِمُّ صَوْمَهُ) وَإِذَا قَالَ (يَتِمُّ صَوْمَهُ) فَأَتَمَّهُ فَهُوَ صَوْمٌ تَامٌّ كَامِلٌ. قُلْتُ: وَإِذَا كَانَ مَنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَصَوْمَهُ صَوْمٌ تَامٌّ فَعَلَيْهِ إِذَا جَامَعَ عَامِدًا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- كَمَنْ لَمْ يُفْطِرْ نَاسِيًا. وَقَدِ احْتَجَّ عُلَمَاؤُنَا عَلَى إِيجَابِ الْقَضَاءِ بِأَنْ قَالُوا: الْمَطْلُوبُ منه صيام يوم تام لا يقع فيه خَرْمٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ" وَهَذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ عَلَى التَّمَامِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ لِخِفَّتِهِ. وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: (مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ