Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:187
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
الْفَجْرَ الَّذِي يَمْلَأُ الْبُيُوتَ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ قَالَ قُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: أَيَّ سَاعَةٍ تَسَحَّرْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: هُوَ النَّهَارُ إِلَّا أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ: (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا يَغُرَّنكُمُ السَّاطِعُ الْمُصْعِدُ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَعْرِضَ لَكُمُ الْأَحْمَرُ). قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: [قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ [لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ الْيَمَامَةِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَالَّذِي قَادَهُمْ إِلَى هَذَا أَنَّ الصَّوْمَ إِنَّمَا هُوَ فِي النَّهَارِ، وَالنَّهَارِ عِنْدَهُمْ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَآخِرُهُ غُرُوبُهَا، وَقَدْ مَضَى الْخِلَافُ فِي هَذَا بَيْنَ اللُّغَوِيِّينَ. وَتَفْسِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ) الْفَيْصَلُ فِي ذلك، وقوله ﴿أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ). تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّادٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ. وَرُوِيَ عَنْ حَفْصَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (من لَمْ يَجْمَعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ). رَفَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ مِنَ الثِّقَاتِ الرُّفَعَاءِ، وَرُوِيَ عَنْ حَفْصَةَ مَرْفُوعًا مِنْ قَوْلُهَا. فَفِي هَذَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ فِي الْفَجْرِ، وَمَنَعَ مِنَ الصِّيَامِ دُونَ نِيَّةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ، خِلَافًا لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهِيَ: الثَّامِنَةُ- وَذَلِكَ أَنَّ الصِّيَامَ مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادَاتِ فَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَقَدْ وَقَّتَهَا الشَّارِعُ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ بَعْدَ الْفَجْرِ جَائِزٌ. وروى البخاري ومسلم عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: نَزَلَتْ "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ" وَلَمْ يَنْزِلْ "مِنَ الْفَجْرِ" وَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ، وَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتَهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ "مِنَ الْفَجْرِ" فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ بَيَاضَ النَّهَارِ. وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، أَهُمَا الْخَيْطَانِ؟ قَالَ: (إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا إِنْ أَبْصَرْتَ الْخَيْطَيْنِ- ثُمَّ قَالَ- لَا بَلْ هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَسُمِّيَ الْفَجْرُ خَيْطًا لِأَنَّ مَا يَبْدُو مِنَ الْبَيَاضِ يُرَى مُمْتَدًّا كَالْخَيْطِ. قَالَ الشَّاعِرُ: