Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:185
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
وَفُرِضَ عَلَيْنَا عِنْدَ غُمَّةِ الْهِلَالِ إِكْمَالُ عِدَّةِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَإِكْمَالُ عِدَّةِ رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، حَتَّى نَدْخُلَ فِي الْعِبَادَةِ بِيَقِينٍ وَنَخْرُجَ عَنْهَا بِيَقِينٍ، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ" وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ " [النحل: ٤٤]. وَرَوَى الْأَئِمَّةُ الْأَثْبَاتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ) فِي رِوَايَةٍ (فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمُ الشَّهْرُ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ). وَقَدْ ذَهَبَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَابْنُ قُتَيْبَةَ مِنْ اللُّغَوِيِّينَ فَقَالَا: يُعَوَّلُ عَلَى الْحِسَابِ عِنْدَ الْغَيْمِ بِتَقْدِيرِ الْمَنَازِلِ وَاعْتِبَارِ حِسَابِهَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ، حتى إنه لو كان صحوا لروى، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ) أَيِ اسْتَدِلُّوا عَلَيْهِ بِمَنَازِلِهِ، وَقَدِّرُوا إِتْمَامَ الشَّهْرِ بِحِسَابِهِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: مَعْنَى (فَاقْدُرُوا لَهُ) فَأَكْمِلُوا الْمِقْدَارَ، يُفَسِّرُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ). وَذَكَرَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ قِيلَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ "فَاقْدُرُوا لَهُ": أَيْ قَدِّرُوا الْمَنَازِلَ. وَهَذَا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ إِلَّا بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ، وَالْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْإِمَامِ لَا يَصُومُ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَلَا يُفْطِرُ لِرُؤْيَتِهِ، وَإِنَّمَا يَصُومُ وَيُفْطِرُ عَلَى الْحِسَابِ: إِنَّهُ لَا يُقْتَدَى بِهِ وَلَا يُتَّبَعُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَقَدْ زَلَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَحَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يعول على الحساب، وهي عثرة" لا لعاد لَهَا ". الرَّابِعَةُ- وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ هَلْ يَثْبُتُ هِلَالُ رَمَضَانَ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ أَوْ شَاهِدَيْنِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى هِلَالٍ فَلَا يُقْبَلُ فِيهَا أَقَلُّ مِنَ اثْنَيْنِ، أَصْلُهُ الشَّهَادَةُ عَلَى هِلَالِ شَوَّالٍ وَذِي الْحَجَّةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يُقْبَلُ الْوَاحِدُ، لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ فَأَخْبَرْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ. وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ وَهُوَ ثِقَةٌ. رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ "أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فَصَامَ، أَحْسَبُهُ قَالَ: وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَصُومُوا، وَقَالَ: أَصُومُ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِنْ لَمْ تَرَ الْعَامَّةُ هِلَالَ شَهْرِ