Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:183-184
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
مِسْكِينًا، وَالْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا. وَخَرَّجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ" لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَهَذَا صَحِيحٌ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ لِأُمِّ وَلَدٍ لَهُ حُبْلَى أَوْ مُرْضِعٍ: أَنْتِ مِنَ الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَ الصِّيَامَ، عَلَيْكِ الْجَزَاءُ وَلَا عَلَيْكِ الْقَضَاءُ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تُرْضِعُ- مِنْ غَيْرِ شَكٍّ- فَأُجْهِدَتْ فَأَمَرَهَا أَنْ تُفْطِرَ وَلَا تَقْضِيَ، هَذَا صَحِيحٌ. قُلْتُ: فَقَدْ ثَبَتَ بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ وَأَنَّهَا مُحْكَمَةٌ فِي حَقِّ مَنْ ذُكِرَ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ صَحِيحٌ أَيْضًا، إِلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ هُنَاكَ بِمَعْنَى التَّخْصِيصِ، فَكَثِيرًا مَا يُطْلِقُ الْمُتَقَدِّمُونَ النَّسْخَ بِمَعْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالضَّحَّاكُ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ يُفْطِرَانِ وَلَا إِطْعَامَ عَلَيْهِمَا، بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ يُفْطِرُ وَيَقْضِي، وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ. وَحَكَى ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْحُبْلَى إِنْ أَفْطَرَتْ، فَأَمَّا الْمُرْضِعُ إِنْ أَفْطَرَتْ فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ وَالْإِطْعَامُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يُفْطِرَانِ وَيُطْعِمَانِ وَيَقْضِيَانِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَشَايِخَ وَالْعَجَائِزَ الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَ الصِّيَامَ أَوْ يُطِيقُونَهُ عَلَى مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ أَنْ يُفْطِرُوا. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ رَبِيعَةُ ومالك: لا شي عَلَيْهِمْ، غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ أَطْعَمُوا عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ. وَقَالَ أَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَقَيْسُ بْنُ السَّائِبِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ: عَلَيْهِمُ الْفِدْيَةُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، اتِّبَاعًا لِقَوْلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ جَمِيعِهِمْ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ" ثُمَّ قَالَ: "وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ" وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا بِمَرْضَى وَلَا مُسَافِرِينَ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِمُ الْفِدْيَةُ. وَالدَّلِيلُ لِقَوْلِ مَالِكٍ: أَنَّ هَذَا مُفْطِرٌ لِعُذْرٍ مَوْجُودٍ فِيهِ وَهُوَ الشَّيْخُوخَةُ وَالْكِبَرُ فَلَمْ يَلْزَمْهُ