Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:180
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
قِيَاسَهُمُ الْمُدَبَّرَ عَلَى الْعِتْقِ إِلَى أَجَلٍ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَاعَ مُدَبَّرًا، وَأَنَّ عَائِشَةَ دَبَّرَتْ جَارِيَةٌ لَهَا ثُمَّ بَاعَتْهَا، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُغَيِّرُ الرَّجُلُ مِنْ وَصِيَّتِهِ مَا شَاءَ إِلَّا الْعَتَاقَةَ. وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَالنَّخَعِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. الْعَاشِرَةُ- وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، وَأَرَادَ الْوَصِيَّةَ، فَلَهُ الرُّجُوعُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ. وَإِنْ قَالَ: فُلَانٌ مُدَبَّرٌ بَعْدَ مَوْتِي، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ. وَإِنْ أَرَادَ التَّدْبِيرَ بِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ لَمْ يَرْجِعْ أَيْضًا عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِ مَالِكٍ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ فَكُلُّ هَذَا عِنْدَهُمْ وَصِيَّةٌ، لِأَنَّهُ فِي الثُّلُثِ، وَكُلُّ مَا كَانَ فِي الثُّلُثِ فَهُوَ وَصِيَّةٌ، إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: لَا يَكُونُ الرُّجُوعُ فِي الْمُدَبَّرِ إِلَّا بِأَنْ يُخْرِجَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ. وَلَيْسَ قَوْلُهُ: (قَدْ رَجَعْتُ) رُجُوعًا، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجِ الْمُدَبَّرَ عن ملكه حثى يَمُوتَ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ بِمَوْتِهِ. وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: يَرْجِعُ فِي الْمُدَبَّرِ كَمَا يَرْجِعُ فِي الْوَصِيَّةِ. وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ قِيَاسًا عَلَى إِجْمَاعِهِمْ عَلَى الرُّجُوعِ فِيمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِهِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إِذَا قَالَ قَدْ رَجَعْتُ فِي مُدَبَّرِي فَقَدْ بَطَلَ التَّدْبِيرُ، فَإِنْ مَاتَ لَمْ يَعْتِقْ. وَاخْتَلَفَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِيمَنْ قَالَ: عَبْدِي حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، وَلَمْ يُرِدِ الْوَصِيَّةَ وَلَا التَّدْبِيرَ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هُوَ وَصِيَّةٌ. وَقَالَ أَشْهَبُ: هُوَ مدبر وإن لم يرد الوصية. الحادية- اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هَلْ هِيَ مَنْسُوخَةٌ أَوْ مُحْكَمَةٌ، فَقِيلَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ، ظَاهِرُهَا الْعُمُومُ وَمَعْنَاهَا الْخُصُوصُ فِي الْوَالِدَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يَرِثَانِ كَالْكَافِرَيْنِ وَالْعَبْدَيْنِ وَفِي الْقَرَابَةِ غَيْرَ الْوَرَثَةِ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ وَطَاوُسٌ وَالْحَسَنُ، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ وَاجِبَةٌ فِيمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يَرِثَانِ وَالْأَقْرِبَاءِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ جَائِزَةٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ