Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:178
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ عَامَ الْفَتْحِ: (مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِنْ أَحَبَّ أَخَذَ الْعَقْلَ وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ الْقَوَدُ). فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فَقُلْتُ لِابْنِ أَبِي ذِئْبٍ: أَتَأْخُذُ بِهَذَا يَا أَبَا الْحَارِثِ فَضَرَبَ صَدْرِي وَصَاحَ عَلَيَّ صِيَاحًا كَثِيرًا وَنَالَ مِنِّي وَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: تَأْخُذُ بِهِ! نَعَمْ آخُذُ بِهِ، وَذَلِكَ الْفَرْضُ عَلَيَّ وَعَلَى مَنْ سَمِعَهُ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ اخْتَارَ مُحَمَّدًا ﷺ مِنَ النَّاسِ فَهَدَاهُمْ بِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ، وَاخْتَارَ لَهُمْ مَا اخْتَارَهُ لَهُ وَعَلَى لِسَانِهِ، فَعَلَى الْخَلْقِ أَنْ يَتَّبِعُوهُ طَائِعِينَ أَوْ دَاخِرِينَ، لَا مَخْرَجَ لِمُسْلِمٍ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: وَمَا سَكَتَ عَنِّي حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ يَسْكُتَ. الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ﴾ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ "مَنْ" وَ "عُفِيَ" عَلَى تَأْوِيلَاتٍ خَمْسٍ: أَحَدُهَا- أَنَّ "مَنْ" يُرَادُ بها القاتل، و "عفي" تَتَضَمَّنُ عَافِيًا هُوَ وَلِيُّ الدَّمِ، وَالْأَخُ هُوَ المقتول، و "شي" هُوَ الدَّمُ الَّذِي يُعْفَى عَنْهُ وَيُرْجَعُ إِلَى أَخْذِ الدِّيَةِ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَمُجَاهِدٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَالْعَفْوُ فِي هَذَا الْقَوْلِ عَلَى بَابِهِ الَّذِي هُوَ التَّرْكُ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْقَاتِلَ إِذَا عَفَا عَنْهُ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ عن دم مقتول وَأَسْقَطَ الْقِصَاصَ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الدِّيَةَ وَيَتَّبِعُ بِالْمَعْرُوفِ، ويؤدي إليه القاتل بإحسان.