Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:178
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
فَرَّقَ مِنْهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ فَقَدْ نَاقَضَ. وَأَيْضًا فَالْإِجْمَاعُ فِيمَنْ قَتَلَ عَبْدًا خَطَأً أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْقِيمَةُ، فَكَمَا لَمْ يُشْبِهِ الْحُرَّ فِي الْخَطَأِ لَمْ يُشْبِهْهُ فِي الْعَمْدِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَبْدَ سِلْعَةٌ مِنَ السِّلَعِ يُبَاعُ وَيُشْتَرَى، وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ الْحُرُّ كَيْفَ شَاءَ، فَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنِهِ وَبَيْنَ الْحُرِّ وَلَا مُقَاوَمَةَ. قُلْتُ: هَذَا الْإِجْمَاعُ صَحِيحٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ أَوَّلًا: "وَلَمَّا اتَّفَقَ جَمِيعُهُمْ- إِلَى قَوْلِهِ- فَقَدْ نَاقَضَ" فَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَدَاوُدُ بِالْقِصَاصِ بَيْنَ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ فِي النَّفْسِ وَفِي جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ، وَاسْتَدَلَّ دَاوُدُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ) فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ. وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي" النِّسَاءِ "إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. السَّابِعَةُ- وَالْجُمْهُورُ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ: (لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَلَا يَصِحُّ لَهُمْ مَا رَوَوْهُ مِنْ حَدِيثِ رَبِيعَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَ يَوْمَ خَيْبَرٍ مُسْلِمًا بِكَافِرٍ، لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَرْفُوعًا. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ:" لَمْ يُسْنِدْهُ غَيْرُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَالصَّوَابُ عَنْ رَبِيعَةَ عَنِ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ مُرْسَلٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَابْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ إِذَا وَصَلَ الْحَدِيثَ، فَكَيْفَ بِمَا يُرْسِلُهُ". قُلْتُ: فَلَا يَصِحُّ فِي الْبَابِ إِلَّا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ يُخَصِّصُ عُمُومَ قَوْلِهِ تَعَالَى: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى " الْآيَةَ، وَعُمُومَ قَوْلِهِ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]. الثَّامِنَةُ- رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ مُبَيِّنَةً حُكْمَ الْمَذْكُورِينَ، لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَقْتُلَ حُرٌّ عَبْدًا أَوْ عَبْدٌ حُرًّا، أَوْ ذَكَرٌ أُنْثَى أَوْ أُنْثَى ذَكَرًا، وَقَالَا: إِذَا قَتَلَ رَجُلٌ امْرَأَةً فإن أراد أولياؤها قتلوا صاحبهم ووفوا أَوْلِيَاءَهُ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَإِنْ أَرَادُوا اسْتَحْيَوْهُ وَأَخَذُوا مِنْهُ دِيَةَ الْمَرْأَةِ. وَإِذَا قَتَلَتِ امْرَأَةٌ رَجُلًا فَإِنْ أَرَادَ أَوْلِيَاؤُهُ قَتْلَهَا قَتَلُوهَا وَأَخَذُوا نِصْفَ الدِّيَةِ، وَإِلَّا أَخَذُوا دِيَةَ صَاحِبِهِمْ وَاسْتَحْيَوْهَا. رَوَى هَذَا الشَّعْبِيُّ عَنْ عَلِيٍّ، وَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الشَّعْبِيَّ لَمْ يَلْقَ عَلِيًّا. وَقَدْ رَوَى الْحَكَمُ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ قَالَا: إِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ مُتَعَمِّدًا فَهُوَ بِهَا قَوَدٌ، وَهَذَا يُعَارِضُ رِوَايَةَ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ. وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى