Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:173
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
وَمِنْهُ إِهْلَالُ الصَّبِيِّ وَاسْتِهْلَالُهُ، وَهُوَ صِيَاحُهُ عِنْدَ وِلَادَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: الْمُرَادُ مَا ذُبِحَ لِلْأَنْصَابِ وَالْأَوْثَانِ، لَا مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسِيحِ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ" الْمَائِدَةِ "إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَجَرَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ بِالصِّيَاحِ بِاسْمِ الْمَقْصُودِ بِالذَّبِيحَةِ، وَغَلَبَ ذَلِكَ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ حَتَّى عُبِّرَ بِهِ عَنِ النِّيَّةِ الَّتِي هِيَ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ، أَلَا تَرَى أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَاعَى النِّيَّةَ فِي الْإِبِلِ الَّتِي نَحَرَهَا غَالِبٌ أَبُو الْفَرَزْدَقِ فَقَالَ: إِنَّهَا مِمَّا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَتَرَكَهَا النَّاسُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَرَأَيْتُ فِي أَخْبَارِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ مُتْرَفَةٍ صَنَعَتْ لِلُعَبِهَا عُرْسًا فَنَحَرَتْ جَزُورًا، فَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا فَإِنَّهَا إِنَّمَا نُحِرَتْ لِصَنَمٍ. قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ شَيْخِ مُسْلِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ قَابُوسٍ قَالَ: أَرْسَلَ أَبِي امْرَأَةً إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَمَرَهَا أَنْ تَقْرَأَ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْهُ، وَتَسْأَلَهَا أَيَّةَ صَلَاةٍ كَانَتْ أَعْجَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدُومُ عَلَيْهَا. قَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يُطِيلُ فِيهِنَّ الْقِيَامَ وَيُحْسِنُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَأَمَّا مَا لَمْ يَدَعْ قَطُّ، صَحِيحًا وَلَا مَرِيضًا وَلَا شَاهِدًا، رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ. قَالَتِ امْرَأَةٌ عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ النَّاسِ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ لَنَا أَظْآرًا مِنَ الْعَجَمِ لَا يَزَالُ يَكُونُ لَهُمْ عِيدٌ فَيُهْدُونَ لَنَا مِنْهُ، أَفَنَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا؟ قَالَتْ: أَمَّا مَا ذُبِحَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَا تَأْكُلُوا وَلَكِنْ كُلُوا مِنْ أَشْجَارِهِمْ. الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾قُرِئَ بِضَمِ النُّونِ لِلِاتِّبَاعِ وَبِالْكَسْرِ وَهُوَ الْأَصْلُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ فَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى شي من هذه الْمُحَرَّمَاتِ أَيْ أُحْوِجَ إِلَيْهَا، فَهُوَ افْتُعِلَ مِنَ الضَّرُورَةِ. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ" فَمَنِ اطُّرَ "بِإِدْغَامِ الضَّادِ فِي الطَّاءِ. وَأَبُو السَّمَّالِ" فَمَنِ اضْطِرَّ" بكسر الطاء. وأصله أضطر فَلَمَّا أُدْغِمَتْ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الرَّاءِ إِلَى الطَّاءِ. الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ- الِاضْطِرَارُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بِإِكْرَاهٍ مِنْ ظَالِمٍ أَوْ بِجُوعٍ فِي مَخْمَصَةٍ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْآيَةِ هُوَ مَنْ صَيَّرَهُ الْعُدْمُ وَالْغَرَثُ وَهُوَ الْجُوعُ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أُكْرِهَ وَغُلِبَ عَلَى أَكْلِ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ كَالرَّجُلِ يَأْخُذُهُ الْعَدُوُّ