Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:146
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾ "الَّذِينَ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ "يَعْرِفُونَهُ". وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ خفض على الصفة ل "لظالمين"، و "يعرفون" فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ يَعْرِفُونَ نُبُوَّتَهُ وَصِدْقَ رِسَالَتِهِ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا. وَقِيلَ: "يَعْرِفُونَ" تَحْوِيلَ الْقِبْلَةِ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ أَنَّهُ حَقٌّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جريج والربيع وقتادة أيضا.
وَخَصَّ الْأَبْنَاءَ فِي الْمَعْرِفَةِ بِالذِّكْرِ دُونَ الْأَنْفُسِ وَإِنْ كَانَتْ أَلْصَقَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَمُرُّ عَلَيْهِ مِنْ زَمَنِهِ بُرْهَةٌ لَا يَعْرِفُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَلَا يَمُرُّ عَلَيْهِ وَقْتٌ لَا يَعْرِفُ فِيهِ ابْنَهُ. وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ: أَتَعْرِفُ مُحَمَّدًا ﷺ كَمَا تَعْرِفُ ابْنَكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ وَأَكْثَرَ، بَعَثَ اللَّهُ أَمِينَهُ فِي سَمَائِهِ إِلَى أَمِينِهِ فِي أَرْضِهِ بِنَعْتِهِ فَعَرَفْتُهُ، وَابْنِي لَا أَدْرِي مَا كَانَ مِنْ أُمِّهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَخُصَيْفٌ. وَقِيلَ: اسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا آنِفًا.