Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:124
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
الْأَقْلَحُ الَّذِي قَدِ اصْفَرَّتْ أَسْنَانُهُ حَتَّى بَخِرَتْ مِنْ بَاطِنِهَا، وَلَا أَعْرِفُ الْقَخَرَ. وَالْبَخَرُ: الَّذِي تَجِدُ لَهُ رَائِحَةً مُنْكَرَةً لِبَشَرَتِهِ، يُقَالُ: رَجُلٌ أَبْخَرُ، وَرِجَالٌ بُخُرٌ. حَدَّثَنَا الْجَارُودُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ تَمَّامِ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (اسْتَاكُوا، مَا لَكُمْ تَدْخُلُونَ عَلَيَّ قُلْحًا). الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ- فِي قَصِّ الشَّارِبِ. وَهُوَ الْأَخْذُ مِنْهُ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ وَهُوَ الْإِطَارُ، وَلَا يَجُزُّهُ فَيُمَثِّلُ نَفْسَهُ، قَالَهُ مَالِكٌ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْهُ قَالَ: وَأَرَى أَنْ يُؤَدَّبَ مَنْ حَلَقَ شَارِبَهُ. وَذَكَرَ أَشْهَبُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي حَلْقِ الشَّارِبِ: هَذِهِ بِدَعٌ، وَأَرَى أَنْ يُوجَعَ ضَرْبًا مَنْ فَعَلَهُ. وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يُوجَعَ مَنْ حَلَقَهُ ضَرْبًا. كَأَنَّهُ يَرَاهُ مُمَثِّلًا بِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ بِنَتْفِهِ الشَّعْرَ، وَتَقْصِيرِهِ عِنْدَهُ أَوْلَى مِنْ حَلْقِهِ. وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ ذَا لِمَّةٍ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَيْنِ وَافِرِ الشَّعْرِ أَوْ مُقَصِّرٍ، وَإِنَّمَا حَلَقَ وَحَلَقُوا فِي النُّسُكِ. وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُصُّ أَظَافِرَهُ وَشَارِبَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْجُمُعَةِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَمْ نَجِدْ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا شَيْئًا مَنْصُوصًا، وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ رَأَيْنَاهُمْ: الْمُزَنِيُّ وَالرَّبِيعُ كَانَا يُحْفِيَانِ شَوَارِبَهُمَا، وَيَدُلُّ ذَلِكَ أَنَّهُمَا أَخَذَا ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ فَكَانَ مَذْهَبُهُمْ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ وَالشَّارِبِ أَنَّ الْإِحْفَاءَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ. وَذَكَرَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَذْهَبَهُ فِي حَلْقِ الشَّارِبِ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءٌ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ: رَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُحْفِي شَارِبَهُ شَدِيدًا، وَسَمِعْتُهُ سُئِلَ عَنِ السُّنَّةِ فِي إِحْفَاءِ الشَّارِبِ فَقَالَ: يُحْفَى كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أَحْفُوا الشَّوَارِبَ). قَالَ أَبُو عُمَرَ: إِنَّمَا فِي هَذَا الْبَابِ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَحْفُوا، وَهُوَ لَفْظٌ مُحْتَمِلُ التَّأْوِيلِ. وَالثَّانِي- قَصُّ الشَّارِبِ، وَهُوَ مُفَسَّرٌ، وَالْمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَى الْمُجْمَلِ، وَهُوَ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ. رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُصُّ مِنْ شَارِبِهِ وَيَقُولُ: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ كَانَ يَفْعَلُهُ). قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَخَرَّجَ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (الْفِطْرَةُ خَمْسٌ الِاخْتِتَانُ وَالِاسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَنَتْفُ