Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:71
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
فَعَلَى هذا يكون "تُثِيرُ" مستأنفا، "وَلا تَسْقِي" مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، فَتَأَمَّلْهُ. وَإِثَارَةُ الْأَرْضِ: تَحْرِيكُهَا وَبَحْثُهَا، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: (أَثِيرُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ عِلْمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: (مَنْ أَرَادَ الْعِلْمَ فَلْيُثَوِّرِ الْقُرْآنَ) وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿وَأَثارُوا الْأَرْضَ﴾ [الروم: ٩] أَيْ قَلَّبُوهَا لِلزِّرَاعَةِ. وَالْحَرْثُ: مَا حُرِثَ وَزُرِعَ. وَسَيَأْتِي. مَسْأَلَةٌ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى حَصْرِ الْحَيَوَانِ بِصِفَاتِهِ، وَإِذَا ضُبِطَ بِالصِّفَةِ وَحُصِرَ بِهَا جَازَ السَّلَمُ فِيهِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ. وَكَذَلِكَ كُلُّ ما يضبط بالصفة، لوصف الله تعالى البقرة فِي كِتَابِهِ وَصْفًا يَقُومُ مَقَامَ التَّعْيِينِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَا تَصِفُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ لِزَوْجِهَا حَتَّى كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الصِّفَةَ تَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ، وَجَعَلَ ﷺ دِيَةَ الْخَطَأِ فِي ذِمَّةِ مَنْ أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ دَيْنًا إِلَى أَجَلٍ وَلَمْ يَجْعَلْهَا عَلَى الْحُلُولِ. وَهُوَ يَرُدُّ قَوْلَ الْكُوفِيِّينَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ حَيْثُ قَالُوا: لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يُوقَفُ عَلَى حَقِيقَةِ صِفَتِهِ مِنْ مَشْيٍ وَحَرَكَةٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَزِيدُ فِي ثَمَنِهِ وَيَرْفَعُ مِنْ قِيمَتِهِ. وَسَيَأْتِي حُكْمُ السَّلَمِ وَشُرُوطُهُ فِي آخِرِ السُّورَةِ فِي آيَةِ الدَّيْنِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.