Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:60
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَضَرَبَ فَانْفَجَرَتْ. وَقَدْ كَانَ تَعَالَى قَادِرًا عَلَى تَفْجِيرِ الْمَاءِ وَفَلْقِ الْحَجَرِ مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ لَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَرْبِطَ الْمُسَبِّبَاتِ بِالْأَسْبَابِ حِكْمَةً مِنْهُ لِلْعِبَادِ فِي وُصُولِهِمْ إِلَى الْمُرَادِ وَلِيُرَتِّبَ عَلَى ذَلِكَ ثَوَابَهُمْ وَعِقَابَهُمْ فِي الْمَعَادِ. وَالِانْفِجَارُ: الِانْشِقَاقُ وَمِنْهُ انْشَقَّ الْفَجْرُ. وَانْفَجَرَ الْمَاءُ انْفِجَارًا انْفَتَحَ. وَالْفُجْرَةُ: مَوْضِعُ تَفَجُّرِ الْمَاءِ وَالِانْبِجَاسِ أَضْيَقُ مِنَ الِانْفِجَارِ لِأَنَّهُ يَكُونُ انْبِجَاسًا ثُمَّ يَصِيرُ انْفِجَارًا. وَقِيلَ: انْبَجَسَ وَتَبَجَّسَ وَتَفَجَّرَ وتفتق بمعنى واحد حكاه الهروي وغيره الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ ... "اثْنَتا" في موضع رفع ب"- فَانْفَجَرَتْ "وَعَلَامَةُ الرَّفْعِ فِيهَا الْأَلِفُ وَأُعْرِبَتْ دُونَ نَظَائِرِهَا لِأَنَّ التَّثْنِيَةَ مُعْرَبَةٌ أَبَدًا لِصِحَّةِ مَعْنَاهَا." عَيْناً "نَصْبٌ عَلَى الْبَيَانِ. وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَطَلْحَةُ وَعِيسَى" عَشِرَةٌ "بِكَسْرِ الشِّينِ وَهِيَ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ وَهَذَا مِنْ لُغَتِهِمْ نَادِرٌ لِأَنَّ سَبِيلَهُمُ التَّخْفِيفُ. وَلُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ" عَشْرَةَ" وَسَبِيلُهُمُ التَّثْقِيلُ. قَالَ جَمِيعُهُ النَّحَّاسُ. وَالْعَيْنُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ يُقَالُ: عَيْنُ الْمَاءِ وَعَيْنُ الْإِنْسَانِ وَعَيْنُ الرُّكْبَةِ وَعَيْنُ الشَّمْسِ. وَالْعَيْنُ: سَحَابَةٌ تُقْبِلُ مِنْ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ. وَالْعَيْنُ: مَطَرٌ يَدُومُ خَمْسًا أَوْ سِتًّا لَا يُقْلِعُ. وَبَلَدٌ قَلِيلُ الْعَيْنِ أَيْ قَلِيلُ النَّاسِ وَمَا بِهَا عَيَنٌ مُحَرَّكَةُ الْيَاءِ وَالْعَيْنُ: الثَّقْبُ فِي الْمَزَادَةِ. وَالْعَيْنُ مِنَ الْمَاءِ مُشَبَّهَةٌ بِالْعَيْنِ مِنَ الْحَيَوَانِ لِخُرُوجِ الْمَاءِ مِنْهَا كَخُرُوجِ الدَّمْعِ مِنْ عَيْنِ الْحَيَوَانِ. وَقِيلَ: لَمَّا كَانَ عَيْنُ الْحَيَوَانِ أَشْرَفَ مَا فِيهِ شُبِّهَتْ بِهِ عَيْنُ الْمَاءِ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ مَا فِي الْأَرْضِ. السَّادِسَةُ- لَمَّا اسْتَسْقَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَوْمِهِ أُمِرَ أن يضرب عند استسقائه بعصاه حجرا قبل: مُرَبَّعًا طُورِيًّا (مِنَ الطُّورِ) عَلَى قَدْرِ رَأْسِ الشَّاةِ يُلْقَى فِي كَسْرِ جُوَالِقٍ وَيُرْحَلُ بِهِ فَإِذَا نَزَلُوا وُضِعَ فِي وَسَطِ مَحَلَّتِهِمْ وَذُكِرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْمِلُونَ الْحَجَرَ لَكِنَّهُمْ كَانُوا يَجِدُونَهُ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ فِي مَنْزِلَتِهِ مِنَ الْمَرْحَلَةِ الْأُولَى وَهَذَا أَعْظَمُ فِي الْآيَةِ وَالْإِعْجَازِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَطْلَقَ لَهُ اسْمَ الْحَجَرِ لِيَضْرِبَ مُوسَى أَيَّ حَجَرٍ شَاءَ وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْإِعْجَازِ. وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ أَنْ يَضْرِبَ حَجَرًا بِعَيْنِهِ بَيَّنَهُ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلِذَلِكَ ذُكِرَ بِلَفْظِ التَّعْرِيفِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي وَضَعَ عَلَيْهِ مُوسَى ثَوْبَهُ لَمَّا اغْتَسَلَ وَفَرَّ بِثَوْبِهِ حَتَّى بَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا