Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:41
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ الضَّمِيرُ فِي "بِهِ" قِيلَ هُوَ عَائِدٌ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُوَ عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ إِذْ تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: "بِما أَنْزَلْتُ". وَقِيلَ: عَلَى التَّوْرَاةِ، إِذْ تَضَمَّنَهَا قَوْلُهُ: "لِما مَعَكُمْ". فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ "كافِرٍ" وَلَمْ يَقُلْ كَافِرِينَ قِيلَ: التَّقْدِيرُ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ فَرِيقٍ كَافِرٍ بِهِ. وَزَعَمَ الْأَخْفَشُ وَالْفَرَّاءُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْنَى الْفِعْلِ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَوَّلُ مَنْ كَفَرَ بِهِ. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ هُوَ أَظْرَفُ الْفِتْيَانِ وَأَجْمَلُهُ وَكَانَ ظَاهِرُ الْكَلَامِ هُوَ أَظْرَفُ فَتًى وَأَجْمَلُهُ. وَقَالَ: "أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ" وَقَدْ كَانَ قَدْ كَفَرَ قَبْلَهُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذْ هُمْ مَنْظُورٌ إِلَيْهِمْ فِي مِثْلِ هَذَا لِأَنَّهُمْ حُجَّةٌ مَظْنُونٌ بِهِمْ عِلْمٌ. وَ "أَوَّلَ" عِنْدَ سِيبَوَيْهِ نُصِبَ عَلَى خَبَرِ كَانَ. وَهُوَ مِمَّا لَمْ يُنْطَقْ مِنْهُ بِفِعْلٍ وَهُوَ عَلَى أَفْعَلَ عَيْنُهُ وَفَاؤُهُ وَاوٌ. وَإِنَّمَا لَمْ يُنْطَقْ مِنْهُ بِفِعْلٍ لِئَلَّا يَعْتَلَّ مِنْ جِهَتَيْنِ: الْعَيْنِ وَالْفَاءِ وَهَذَا مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: هُوَ مِنْ وَأَلَ إِذَا نَجَا فَأَصْلُهُ أَوْأَلُ ثُمَّ خُفِّفَتِ الْهَمْزَةُ وَأُبْدِلَتْ وَاوًا وَأُدْغِمَتْ فَقِيلَ أَوَّلُ كَمَا تُخَفَّفُ هَمْزَةُ خَطِيئَةٍ. قَالَ الجوهري: "والجمع الأوائل والاولى أَيْضًا عَلَى الْقَلْبِ. وَقَالَ قَوْمٌ: أَصْلُهُ وَوَّلُ عَلَى فَوْعَلٍ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ الْأُولَى هَمْزَةً وَإِنَّمَا لَمْ يُجْمَعْ عَلَى أَوَاوِلَ لِاسْتِثْقَالِهِمُ اجْتِمَاعَ الْوَاوَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفُ الْجَمْعِ". وَقِيلَ: هُوَ أَفْعَلُ مِنْ آل يئول فأصله أول قُلِبَ فَجَاءَ أَعْفَلَ مَقْلُوبًا مِنْ أَفْعَلَ فَسُهِّلَ وَأُبْدِلَ وَأُدْغِمَ. مَسْأَلَةٌ- لَا حُجَّةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِمَنْ يَمْنَعُ الْقَوْلَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، وَهُمُ الْكُوفِيُّونَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْكَلَامِ النَّهْيُ عَنِ الْكُفْرِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَخُصَّ الْأَوَّلُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ التَّقَدُّمَ فِيهِ أَغْلَظُ، فَكَانَ حُكْمُ الْمَذْكُورِ وَالْمَسْكُوتِ عَنْهُ وَاحِدًا، وَهَذَا وَاضِحٌ.