Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:34
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
وَأَيْضًا لَمَّا كَانَ مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ نُسِبَ إِلَيْهَا فَاشْتُقَّ اسْمُهُ مِنَ اسْمِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِبْلِيسُ وَزْنُهُ إِفْعِيلٌ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِبْلَاسِ وَهُوَ الْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَمْ يَنْصَرِفْ، لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ وَلَا نَظِيرَ له في الأسماء فشبه بالأعجمية، قاله أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: هُوَ أَعْجَمِيٌّ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ فَلَمْ يَنْصَرِفْ لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعْرِيفِ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَبى﴾ مَعْنَاهُ امْتَنَعَ مِنْ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ [فَسَجَدَ ] اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ يَا وَيْلَهُ- وفي رواية: يَا وَيْلِي- أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِي النَّارُ). خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ. يُقَالُ: أَبَى يَأْبَى إِبَاءً، وَهُوَ حَرْفٌ نَادِرٌ جَاءَ عَلَى فَعَلَ يَفْعَلُ لَيْسَ فِيهِ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْأَلِفَ مُضَارِعَةٌ لِحُرُوفِ الْحَلْقِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ الْقَاضِيَ يَقُولُ: الْقَوْلُ عِنْدِي أَنَّ الْأَلِفَ مُضَارِعَةٌ لِحُرُوفِ الْحَلْقِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ رَوَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ نَحْوًا غَيْرَ هَذَا الْحَرْفِ. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ الِاسْتِكْبَارُ: الِاسْتِعْظَامُ فَكَأَنَّهُ كَرِهَ السُّجُودَ فِي حَقِّهِ وَاسْتَعْظَمَهُ فِي حَقِّ آدَمَ، فَكَانَ تَرْكُ السُّجُودِ لِآدَمَ تَسْفِيهًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ. وَعَنْ هَذَا الْكِبْرِ عَبَّرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ [كَانَ ] فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ). فِي رِوَايَةٍ فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَمَعْنَى بَطَرُ الْحَقِّ: تَسْفِيهُهُ وَإِبْطَالُهُ. وَغَمْطُ النَّاسِ: الِاحْتِقَارُ لَهُمْ وَالِازْدِرَاءُ بِهِمْ. وَيُرْوَى: "وَغَمْصُ" بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، يُقَالُ: غَمَصَهُ يَغْمِصُهُ غَمْصًا وَاغْتَمَصَهُ، أَيِ اسْتَصْغَرَهُ وَلَمْ يَرَهُ شَيْئًا. وَغَمَصَ فُلَانٌ النِّعْمَةَ إِذَا لَمْ يَشْكُرْهَا. وَغَمَصْتُ عَلَيْهِ قَوْلًا قَالَهُ، أَيْ عِبْتُهُ عَلَيْهِ. وَقَدْ صَرَّحَ اللَّعِينُ بِهَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ:" أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ " [ص: ٧٦]. ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ [الاسراء: ٦١]. ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣] فَكَفَّرَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ. فَكُلُّ مَنْ سَفَّهَ شَيْئًا مِنْ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ أَمْرِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَهُ، وَهَذَا مَا لَا