Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:30
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ أَيْ نُعَظِّمُكَ وَنُمَجِّدُكَ وَنُطَهِّرُ ذِكْرَكَ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِكَ مِمَّا نَسَبَكَ إِلَيْهِ الْمُلْحِدُونَ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَأَبُو صَالِحٍ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ: الْمَعْنَى نُطَهِّرُ أَنْفُسَنَا لَكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ قَتَادَةُ: "نُقَدِّسُ لَكَ" مَعْنَاهُ نُصَلِّي. وَالتَّقْدِيسُ: الصَّلَاةُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ. قُلْتُ: بَلْ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَشْتَمِلُ عَلَى التَّعْظِيمِ وَالتَّقْدِيسِ وَالتَّسْبِيحِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: (سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ). رَوَتْهُ عَائِشَةُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَبِنَاءُ "قَدَّسَ" كَيْفَمَا تَصَرَّفَ فَإِنَّ مَعْنَاهُ التَّطْهِيرُ، وَمِنْهُ قوله تعالى:" ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ ﴾ [المائدة: ٢١] أي المطهرة. وقال:" الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ ﴾ [الحشر: ٢٣] يعني الطاهر، ومثله:" بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ [طه: ١٢] وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ الْمَكَانُ الَّذِي يُتَقَدَّسُ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ أَيْ يُتَطَهَّرُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلسَّطْلِ: قَدَسٌ، لِأَنَّهُ يُتَوَضَّأُ فِيهِ وَيُتَطَهَّرُ، وَمِنْهُ الْقَادُوسُ. وَفِي الْحَدِيثِ: (لَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهَا مِنْ قَوِيِّهَا). يُرِيدُ لَا طَهَّرَهَا اللَّهُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ. فَالْقُدْسُ: الطُّهْرُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَقَالَ الشَّاعِرُ: