cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:29

al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi

وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: "خَلَقَ لَكُمْ" أَيْ مِنْ أَجْلِكُمْ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْأَرْضِ مُنْعَمٌ بِهِ عَلَيْكُمْ فَهُوَ لَكُمْ. وَقِيلَ: إِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالِاعْتِبَارِ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُنِيَ بِهِ مَا هُمْ إِلَيْهِ مُحْتَاجُونَ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ. الثَّانِيَةُ- اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ إِنَّ أَصْلَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا الْإِبَاحَةُ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا- كَقَوْلِهِ:" وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ " [الجاثية: ١٣] الْآيَةَ- حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى الْحَظْرِ. وَعَضَّدُوا هَذَا بِأَنْ قَالُوا: إِنَّ الْمَآكِلَ الشَّهِيَّةَ خُلِقَتْ مَعَ إِمْكَانِ أَلَّا تُخْلَقَ فَلَمْ تُخْلَقْ عَبَثًا، فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَنْفَعَةٍ. وَتِلْكَ الْمَنْفَعَةُ لَا يَصِحُّ رُجُوعُهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِاسْتِغْنَائِهِ بِذَاتِهِ، فَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَيْنَا. وَمَنْفَعَتُنَا إِمَّا فِي نَيْلِ لَذَّتِهَا، أَوْ فِي اجْتِنَابِهَا لِنُخْتَبَرَ بِذَلِكَ، أو في اعتبارنا بها. ولا يحصل شي مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ إِلَّا بِذَوْقِهَا، فَلَزِمَ أَنْ تَكُونَ مُبَاحَةً. وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ الْعَبَثِ مِنْ خَلْقِهَا إِلَّا لِمَنْفَعَةٍ، بَلْ خَلَقَهَا كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَصْلُ الْمَنْفَعَةِ، بَلْ هُوَ الْمُوجِبُ. وَلَا نُسَلِّمُ حَصْرَ الْمَنْفَعَةِ فِيمَا ذَكَرُوهُ، وَلَا حُصُولَ بَعْضِ تِلْكَ الْمَنَافِعِ إِلَّا بِالذَّوْقِ، بَلْ قَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى الطُّعُومِ بِأُمُورٍ أُخَرَ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الطَّبَائِعِيِّينَ. ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِمَا يُخَافُ أَنْ تَكُونَ سُمُومًا مُهْلِكَةً، وَمُعَارَضُونَ بِشُبُهَاتِ أَصْحَابِ الْحَظْرِ. وَتَوَقَّفَ آخَرُونَ وَقَالُوا: مَا مِنْ فِعْلٍ لَا نُدْرِكُ مِنْهُ حُسْنًا وَلَا قُبْحًا إِلَّا وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا فِي نَفْسِهِ، وَلَا مُعَيِّنَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، فَتَعَيَّنَ الْوَقْفُ إِلَى وُرُودِ الشَّرْعِ. وَهَذِهِ الْأَقَاوِيلُ الثَّلَاثَةُ لِلْمُعْتَزِلَةِ. وَقَدْ أَطْلَقَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ وَأَصْحَابُهُ وَأَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ وَالصَّيْرَفِيُّ في هذه الْمَسْأَلَةِ الْقَوْلَ بِالْوَقْفِ. وَمَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ أَنْ لَا حُكْمَ فِيهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَأَنَّ لِلشَّرْعِ إِذَا جَاءَ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا شَاءَ، وَأَنَّ الْعَقْلَ لَا يَحْكُمُ بِوُجُوبٍ وَلَا غَيْرِهِ وَإِنَّمَا حَظُّهُ تَعَرُّفُ الْأُمُورِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَحَكَى ابْنُ فَوْرَكٍ عَنِ ابْنِ الصَّائِغِ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَخْلُ الْعَقْلُ قَطُّ مِنَ السَّمْعِ، وَلَا نَازِلَةَ إِلَّا وَفِيهَا سَمْعٌ، أَوْ لَهَا تَعَلُّقٌ بِهِ، أَوْ لَهَا حَالٌ تُسْتَصْحَبُ. قَالَ: فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَى هَذَا، وَيُغْنِي عَنِ النَّظَرِ فِي حَظْرٍ وَإِبَاحَةٍ وَوَقْفٍ. الثَّالِثَةُ- الصَّحِيحُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: "خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.