Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:28
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
... "كَيْفَ" سُؤَالٌ عَنِ الْحَالِ، وَهِيَ اسْمٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ"- تَكْفُرُونَ"، وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْفَتْحِ وَكَانَ سَبِيلُهَا أَنْ تَكُونَ سَاكِنَةً، لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّعَجُّبُ فَأَشْبَهَتِ الْحُرُوفَ، وَاخْتِيرَ لَهَا الْفَتْحُ لِخِفَّتِهِ، أَيْ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ يَجِبُ أَنْ يُتَعَجَّبَ مِنْهُمْ حِينَ كَفَرُوا وَقَدْ ثَبَتَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخِطَابُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمْ لَمْ يَكْفُرُوا بِاللَّهِ؟ فَالْجَوَابُ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يُثْبِتُوا أَمْرَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ فقد أَشْرَكُوا، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا بِأَنَّ الْقُرْآنَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ الْبَشَرِ فَقَدْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ وَصَارَ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ. وَقِيلَ: "كَيْفَ" لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهَامِ وَلَيْسَ بِهِ، بَلْ هُوَ تَقْرِيرٌ وَتَوْبِيخٌ، أَيْ كَيْفَ تَكْفُرُونَ نِعَمَهُ عَلَيْكُمْ وَقُدْرَتَهُ هَذِهِ! قَالَ الْوَاسِطِيُّ: وَبَّخَهُمْ بِهَذَا غَايَةَ التَّوْبِيخِ، لِأَنَّ الْمَوَاتَ وَالْجَمَادَ لَا ينازع صانعه في شي، وَإِنَّمَا الْمُنَازَعَةُ مِنَ الْهَيَاكِلِ الرُّوحَانِيَّةِ.