Tafsir
Zad al-Masir (Tafsir Ibn al-Jawzi) — 21:59-63
Zad al-Masir (Tafsir Ibn al-Jawzi) · Abu al-Faraj Ibn al-Jawzi
والثّانِي: أنَّهُ مِنَ مَعارِيضِ الكَلامِ، فَرُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ [ كانَ ] يَقِفُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾، ويَقُولُ: مَعْناهُ: فَعَلَهُ مَن فَعَلَهُ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ: ﴿كَبِيرُهم هَذا﴾ . قالَ الفَرّاءُ: وقَرَأ بَعْضُهم: ( بَلْ فَعَلَّهُ ) بِتَشْدِيدِ اللّامِ، يُرِيدُ: فَلَعَلَّهُ كَبِيرُهم هَذا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا مِنَ المَعارِيضِ، ومَعْناهُ: إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ، فَقَدْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [ الصّافّات: ٨٩ ]؛ أيْ: سَأسْقَمُ، ومِثْلُهُ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [ الزَّمْر: ٣٠ ]؛ أيْ: سَتَمُوتُ، وقَوْلُهُ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ [ الكَهْف: ٧٤ ]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّهُ مِن مَعارِيضِ الكَلامِ، والمَعْنى: لا تُؤاخِذْنِي بِنِسْيانِي، ومِن هَذا قِصَّةُ الخَصْمَيْنِ ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ ص: ٢١ ]، ومِثْلُهُ ﴿وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى﴾ [ سَبَأ: ٢٤ ]، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ التَّعْرِيضَ في كَلامِها كَثِيرًا، فَتَبْلُغُ إرادَتَها بِوَجْهٍ هو ألْطَفُ مِنَ الكَشْفِ، وأحْسَنُ مِنَ التَّصْرِيحِ. ورُوِيَ أنَّ قَوْمًا مِنَ الأعْرابِ خَرَجُوا يَمْتارُونَ، فَلَمّا صَدَرُوا، خالَفَ رَجُلٌ في بَعْضِ اللَّيْلِ إلى عِكْمِ صاحِبِهِ، فَأخَذَ مِنهُ بَرًّا وجَعَلَهُ في عِكْمِهِ، فَلَمّا أرادَ الرِّحْلَةَ وقاما يَتَعاكَمانِ، رَأى عِكْمَهُ يَشُولُ وعِكْمَ صاحِبِهِ يَثْقُلُ، فَأنْشَأ يَقُولُ:
؎ عِكْمٌ تَغَشّى بَعْضَ أعْكامِ القَوْمِ لَمْ أرَ عِكْمًا سارِقًا قَبْلَ اليَوْمِ