Tafsir
Zad al-Masir (Tafsir Ibn al-Jawzi) — 12:58
Zad al-Masir (Tafsir Ibn al-Jawzi) · Abu al-Faraj Ibn al-Jawzi
واخْتَلَفُوا بِماذا عَرَفَهم يُوسُفُ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عَرَفَهم بِرُؤْيَتِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ ما عَرَفَهم حَتّى تَعَرَّفُوا إلَيْهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لا يَعْرِفُونَهُ.
وَفِي عِلَّةِ كَوْنِهِمْ لَمْ يَعْرِفُوهُ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم جاؤُوهُ مُقَدِّرِينَ أنَّهُ مَلِكٌ كافِرٌ، فَلَمْ يَتَأمَّلُوا مِنهُ ما يَزُولُ بِهِ عَنْهم الشَّكُّ.
والثّانِي: أنَّهم عايَنُوا مِن زِيِّهِ وحِلْيَتِهِ ما كانَ سَبَبًا لِإنْكارِهِمْ. وقَدْ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ لابِسًا ثِيابَ حَرِيرٍ، وفي عُنُقِهِ طَوْقٌ مِن ذَهَبٍ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَخْفى مَن قَدْ أُعْطِيَ نِصْفَ الحُسْنِ، وكَيْفَ يُشْتَبَهُ بِغَيْرِهِ ؟
فالجَوابُ: أنَّهم فارَقُوهُ طِفْلًا ورَأوْهُ كَبِيرًا، والأحْوالُ تَتَغَيَّرُ، وما تَوَهَّمُوا أنَّهُ يَنالُ هَذِهِ المَرْتَبَةَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى كَوْنِهِ أُعْطِيَ نِصْفَ الحُسْنِ، أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْحُسْنِ غايَةً وحَدًّا، وجَعَلَهُ لِمَن شاءَ مِن خَلْقِهِ، إمّا لِلْمَلائِكَةِ، أوْ لِلْحُورِ، فَجُعِلَ لِيُوسُفَ نِصْفُ ذَلِكَ الحُسْنِ، فَكَأنَّهُ كانَ حُسْنًا مُقارِبًا لِتِلْكَ الوُجُوهِ الحَسَنَةِ، ولَيْسَ كَما يَزْعُمُ النّاسُ مِن أنَّهُ أُعْطِيَ هَذا الحُسْنَ، وأُعْطِيَ النّاسُ كُلُّهم نِصْفَ الحُسْنِ.