Tafsir
Zad al-Masir (Tafsir Ibn al-Jawzi) — 5:60
Zad al-Masir (Tafsir Ibn al-Jawzi) · Abu al-Faraj Ibn al-Jawzi
والثّانِي: بَشَرٍّ مِمّا نَقَمْتُمْ مِن إيمانِنا، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَأمّا "المَثُوبَةُ": فَهي الثَّوابُ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَوْضِعُ "مَن" في قَوْلِهِ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ إنْ شِئْتَ كانَ رَفْعًا، وإنْ شِئْتَ كانَ خَفْضًا، فَمَن خَفَضَ جَعَلَهُ بَدَلًا مِن "شَرٍّ" فَيَكُونُ المَعْنى: أُنْبِئُكم بِمَن لَعَنَهُ اللَّهُ؟ ومَن رَفَعَ فَبِإضْمارِ "هُوَ" كَأنَّ قائِلًا قالَ: مَن ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: هو مَن لَعَنَهُ اللَّهُ. قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَن لَعَنَهُ اللَّهُ بِالجِزْيَةِ، وغَضِبَ عَلَيْهِ بِعِبادَةِ العِجْلِ، فَهم شَرٌّ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَسْخَيْنِ مِن أصْحابِ السَّبْتِ: مَسْخُ شَبابِهِمْ قِرَدَةً، ومَشايِخِهِمْ خَنازِيرَ. وقالَ غَيْرُهُ: القِرَدَةُ: أصْحابُ السَّبْتِ، والخَنازِيرُ: كُفّارُ مائِدَةِ عِيسى. وكانَ ابْنَ قُتَيْبَةَ يَقُولُ: أنا أظُنُّ أنَّ هَذِهِ القِرَدَةَ، والخَنازِيرَ هي المُسُوخُ بِأعْيانِها تَوالَدَتْ. قالَ: واسْتَدْلَلْتُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ فَدُخُولُ الألِفِ واللّامِ يَدُلُّ عَلى المَعْرِفَةِ، وعَلى أنَّها القِرَدَةُ الَّتِي تُعايَنُ، ولَوْ كانَ أرادَ شَيْئًا انْقَرَضَ ومَضى، لَقالَ: وجَعَلَ (p-٣٨٨)مِنهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، إلّا أنْ يَصِحَّ حَدِيثُ أمِّ حَبِيبَةَ في "المُسُوخِ" فَيَكُونُ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قُلْتُ: أنا. وحَدِيثُ أمِّ حَبِيبَةَ في "الصَّحِيحِ" انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ، وهو «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، القِرَدَةُ والخَنازِيرُ هي مِمّا مُسِخَ؟ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: "[إنَّ اللَّهَ] لَمْ يَمْسَخْ قَوْمًا أوْ يُهْلِكْ قَوْمًا، فَيُجْعَلْ لَهم نَسْلًا ولا عاقِبَةً، وإنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ قَدْ كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ"» وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ (البَقَرَةِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ زِيادَةَ بَيانِ ذَلِكَ، فَلا يُلْتَفَتُ إلى ظَنِّ ابْنِ قُتَيْبَةَ.