Tafsir
Zad al-Masir (Tafsir Ibn al-Jawzi) — 5:29
Zad al-Masir (Tafsir Ibn al-Jawzi) · Abu al-Faraj Ibn al-Jawzi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إنِّي أُرِيدُ أنْ تَرْجِعَ بِإثْمِ قَتْلِي وإثْمِكَ الَّذِي في عُنُقِكَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ.
والثّانِي: أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي في خَطايايَ، وإثْمِكَ في قَتْلِكَ لِي، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والصَّحِيحُ عَنْ مُجاهِدٍ القَوْلُ الأوَّلُ. وقَدْ رَوى (p-٣٣٦)البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ في "صَحِيحَيْهِما" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها، لِأنَّهُ كانَ أوَّلَ مَن سَنَّ القَتْلَ"» فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أرادَ هابِيلُ وهو مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَبُوءَ قابِيلُ بِالإثْمِ وهو مَعْصِيَةٌ، والمُؤْمِنُ يُحِبُّ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.
أحَدُها: أنَّهُ ما أرادَ لِأخِيهِ الخَطِيئَةَ، وإنَّما أرادَ: إنْ قَتَلْتَنِي أرَدْتُ أنْ تَبُوءَ بِالإثْمِ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبالزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ لا تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ، فَحَذَفَ "لا" كَقَوْلِهِ: ﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لُقْمانَ: ١٠] أيْ: أنْ لا تَمِيدَ بِكم، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ فَقُلْتُ يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ولَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأوْصالِي
أرادَ: لا أبْرَحُ. وهَذا مَذْهَبُ ثَعْلَبٍ.