Tafsir
Zad al-Masir (Tafsir Ibn al-Jawzi) — 2:108
Zad al-Masir (Tafsir Ibn al-Jawzi) · Abu al-Faraj Ibn al-Jawzi
والثّانِي: بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ. فَإنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ، فَقالَ: إنَّما تَكُونُ لِلِاسْتِفْهامِ إذا كانَتْ مَرْدُودَةً عَلى اسْتِفْهامٍ قَبْلَها، فَأيْنَ الِاسْتِفْهامُ الَّذِي تَقَدَّمَها؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَها اسْتِفْهامٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ. وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي مَرْدُودَةٌ عَلى الألِفِ فِي: (ألَمْ تَعْلَمْ) فَإنِ اعْتَرَضَ عَلى هَذا الجَوابِ، فَقِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ العَطْفُ ولَفْظُ: (ألَمْ تَعْلَمْ) يُنْبِئُ عَنِ الواحِدِ، و(تُرِيدُونَ) عَنْ جَماعَةٍ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ إنَّما رَجَعَ الخِطابُ مِنَ التَّوْحِيدِ إلى الجَمْعِ، لِأنَّ ما خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَدْ خُوطِبَتْ بِهِ أُمَّتُهُ، فاكْتَفى بِهِ مِن أُمَّتِهِ في المُخاطَبَةِ الأُولى، ثُمَّ أظْهَرَ المَعْنى في المُخاطَبَةِ الثّانِيَةِ. ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [ الطَّلاقِ: ١ ] . ذَكَرَ هَذا الجَوابَ ابْنُ الأنْبارِيِّ. فَأمّا الجَوابُ الثّانِي عَنْ (أمْ)؛ فَهو أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ، ولَيْسَتْ مَرْدُودَةً عَلى شَيْءٍ. قالَ الفَرّاءُ: إذا تَوَسَّطَ الِاسْتِفْهامُ الكَلامَ؛ ابْتُدِئَ بِالألِفِ وبِأمْ، وإذا لَمْ يَسْبِقْهُ كَلامٌ؛ لَمْ يَكُنْ إلّا بِالألِفِ أوْ بِ"هَلْ" وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: "أمْ" جارِيَةٌ مَجْرى "هَلْ" غَيْرَ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُما: أنَّ "هَلْ" اسْتِفْهامٌ مُبْتَدَأٌ، لا يَتَوَسَّطُ ولا يَتَأخَّرُ، و"أمْ": اسْتِفْهامٌ مُتَوَسِّطٌ، لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ كَلامٍ.