Tafsir
Zad al-Masir (Tafsir Ibn al-Jawzi) — 2:17
Zad al-Masir (Tafsir Ibn al-Jawzi) · Abu al-Faraj Ibn al-Jawzi
وَفِي "ما" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ، تَقْدِيرُهُ: أضاءَتْ حَوْلَهُ. والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى الَّذِي. وحَوْلَ الشَّيْءِ: ما دارَ مِن جَوانِبِهِ. والهاءُ: عائِدَةٌ عَلى المُسْتَوْقَدِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وحَّدَ، فَقالَ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ ثُمَّ جَمَعَ فَقالَ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ؟ فالجَوابُ: أنَّ ثَعْلَبًا حَكى عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: إنَّما ضُرِبَ المَثَلُ لِلْفِعْلِ، لا لِأعْيانِ الرِّجالِ، وهو مَثَلٌ لِلنِّفاقِ. وإنَّما قالَ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ لِأنَّ المَعْنى ذاهِبٌ إلى المُنافِقِينَ، فَجُمِعَ لِذَلِكَ. قالَ ثَعْلَبٌ: وقالَ غَيْرُ الفَرّاءُ: مَعْنى الَّذِي: الجَمْعُ، وُحِّدَ أوَّلًا لِلَفْظِهِ، وجُمِعَ بَعْدُ لِمَعْناهُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٠)
؎ فَإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أمَّ خالِدٍ
فَجَعَلَ "الَّذِي" جَمْعًا.
فَصْلٌ
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الَّذِي ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ هَذا المَثَلَ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ عَلى قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّهُ ضَرَبَ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ الَّتِي يَلْفِظُونَ بِها، ونُورُها صِيانَةُ النُّفُوسِ وحَقْنُ الدِّماءِ، فَإذا ماتُوا سَلْبَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ العِزَّ، كَما سَلَبَ صاحِبَ النّارِ ضَوْءَهُ. وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ ضَرَبَ لِإقْبالِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ وسَماعِهِمْ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، فَذَهابُ نُورِهِمْ: إقْبالُهم عَلى الكافِرِينَ والضَّلالُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.