Tafsir
Ma'alim al-Tanzil (Tafsir al-Baghawi) — 5:43-44
Ma'alim al-Tanzil (Tafsir al-Baghawi) · al-Husayn ibn Mas'ud al-Baghawi
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ﴾ هَذَا تَعْجِيبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَفِيهِ اخْتِصَارٌ، أَيْ: كَيْفَ يَجْعَلُونَكَ حَكَمًا بَيْنَهُمْ فَيَرْضَوْنَ بِحُكْمِكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ؟ ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ وَهُوَ الرَّجْمُ، ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ بِمُصَدِّقِينَ لَكَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ أَيْ: أَسْلَمُوا وَانْقَادُوا [لِأَمْرِ] اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا أَخْبَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ" (سُورَةُ الْبَقَرَةِ، ١٣١) ، وَكَمَا قَالَ: "وَلَهُ أَسْلَمَ من في السموات وَالْأَرْضِ" (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، ٨٣) ، وَأَرَادَ بِهِمُ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ بُعِثُوا مِنْ بَعْدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيَحْكُمُوا بِمَا فِي التَّوْرَاةِ، وَقَدْ أَسْلَمُوا لِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وَحَكَمُوا بِهَا، فَإِنَّ مِنَ النَّبِيِّينَ مَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ مِنْهُمْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿لكل جعلنا منك شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ، ٤٨) .
وَقَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ: أَرَادَ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ حَكَمَ عَلَى الْيَهُودِ بِالرَّجْمِ، ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَمَا قَالَ: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا" (سُورَةُ النَّحْلِ، ١٢٠) .