Tafsir
Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) — 83:18-22
Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) · Muhammad ibn Jarir al-Tabari
والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن كتاب الأبرار في عليين؛ والعليون: جمع معناه: شيء فوق شيء، وعلوّ فوق علوّ، وارتفاع بعد ارتفاع، فلذلك جُمعت بالياء والنون، كجمع الرجال، إذا لم يكن له بناء من واحده واثنيه، كما حُكِيَ عن بعض العرب سماعًا أطْعَمَنَا مَرَقَةَ مَرَقَيْنِ: يعني اللحم المطبوخ كما قال الشاعر:
قَدْ رَوَيَتْ إلا الدُّهَيْدِهِينَا ... قَلَيُّصَاتٍ وَأُبَيْكِرِينَا
فقال: وأبيكرينا، فجمعها بالنون إذ لم يقصد عددًا معلومًا من البكارة، بل أراد عددًا لا يحدّ آخره، وكما قال الآخر:
فَأَصْبَحَتِ المَذَاهِبُ قَدْ أذَاعَتْ ... بِهَا الإعْصَارُ بَعْدَ الْوَابِلينَا
يعني: مطرًا بعد مطر غير محدود العدد، وكذلك تفعل العرب في كلّ جمع لم يكن بناء له من واحده واثنيه، فجمعه في جميع الإناث والذكران بالنون على ما قد بيَّنا، ومن ذلك قولهم للرجال والنساء: عشرون وثلاثون. فإذا كان ذلك كالذي ذكرنا، فبين أنّ قوله: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ معناه: في علوّ وارتفاع في سماء فوق سماء، وعلوّ فوق علوّ وجائز أن يكون ذلك إلى السماء السابعة، وإلى سدرة المنتهى، وإلى قائمة العرش، ولا خبر يقطع العذر بأنه معنيّ به بعض ذلك دون بعض.
والصواب أن يقال في ذلك، كما قال جلّ ثناؤه: إن كتاب أعمال الأبرار لفي ارتفاع إلى حدّ قد علم الله جلّ وعزّ منتهاه، ولا علم عندنا بغايته، غير أن ذلك لا يقصر عن السماء السابعة، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك.
* *
وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، مُعَجِّبه من عليين: وأيّ شيء أشعرك يا محمد ما عليون.
* *
وقوله: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾