Tafsir
Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) — 32:6-8
Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) · Muhammad ibn Jarir al-Tabari
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب على قراءة من قرأه: ﴿الَّذِين أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ بفتح اللام قول من قال: معناه أحكم وأتقن؛ لأنه لا معنى لذلك إذ قرئ كذلك إلا أحد وجهين: إما هذا الذي قلنا من معنى الإحكام والإتقان، أو معنى التحسين الذي هو في معنى الجمال والحُسن، فلما كان في خلقه ما لا يشكّ في قُبحه وسماجته، علم أنه لم يُعن به أنه أحسن كلّ ما خلق، ولكن معناه أنه أحكمه وأتقن صنعته، وأما على القراءة الأخرى التي هي بتسكين اللام، فإن أولى تأويلاته به قول من قال: معنى ذلك: أعلم وألهم كلّ شيء خلقه، هو أحسنهم، كما قال: (الَّذِي أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) ؛ لأن ذلك أظهر معانيه. وأما الذي وجه تأويل ذلك إلى أنه بمعنى: الذي أحسن خلق كلّ شيء، فإنه جعل الخلق نصبا بمعنى التفسير، كأنه قال: الذي أحسن كلّ شيء خلقا منه. وقد كان بعضهم يقول: هو من المقدّم الذي معناه التأخير، ويوجهه إلى أنه نظير قول الشاعر:
وَظَعْنِي إلَيْكَ للَّيْل حِضْيَنْةِ أنَّنِي ... لِتِلْكَ إذَا هابَ الهِدَانُ فَعُولُ
يعني: وظعني حضني الليل إليك؛ ونظير قول الآخر:
كأنَّ هِنْدًا ثناياها وَبهْجَتَهَا ... يَوْمَ الْتَقَيْنا عَلى أدْحالِ دَبَّاب
أي: كأن ثنايا هند وبهجتها.
* *
وقوله: ﴿وَبَدأ خَلْقَ الإنْسانِ مِنْ طِين﴾
يقول تعالى ذكره: وبدأ خلق آدم من طين ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ يعني: ذريته ﴿من سلالة﴾ ، يقول: من الماء الذي انسل فخرج منه. وإنما يعني من إراقة من مائه، كما قال الشاعر:
فجاءتْ بِه عَضْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ... سُلالَةَ فَرْجٍ كانَ غيرَ حَصِينِ
* *
وقوله: ﴿مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾