Tafsir
Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) — 17:23
Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) · Muhammad ibn Jarir al-Tabari
واختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة، وبعض قرّاء الكوفيين ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ﴾ على التوحيد على توجيه ذلك إلى أحدهما لأن أحدهما واحد، فوحدوا ﴿يَبْلُغَنَّ﴾ لتوحيده، وجعلوا قوله ﴿أوْ كِلاهُما﴾ معطوفا على الأحد. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين ﴿إِما يَبْلُغانَ﴾ على التثنية وكسر النون وتشديدها، وقالوا: قد ذكر الوالدان قبل، وقوله ﴿يَبْلُغانّ﴾ خبر عنهما بعد ما قدّم أسماءهما، قالوا: والفعل إذا جاء بعد الاسم كان الكلام أن يكون فيه دليل على أنه خبر عن اثنين أو جماعة. قالوا: والدليل على أنه خبر عن اثنين في الفعل المستقبل الألف والنون. قالوا: وقوله ﴿أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾ كلام مستأنف، كما قيل ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ وكقوله ﴿وأسَرُّوا النَّجْوَى﴾ ثم ابتدأ فقال ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ .
وأولى القراءتين بالصواب عندي في ذلك، قراءة من قرأه ﴿إما يَبْلُغَنَّ﴾ على التوحيد على أنه خبر عن أحدهما، لأن الخبر عن الأمر بالإحسان في الوالدين، قد تناهى عند قوله ﴿وَبالوَالِدَيْنِ إحْسانا﴾ ثم ابتدأ قوله ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا﴾ .
* *
وقوله ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾
يقول: فلا تؤفف من شيء تراه من أحدهما أو منهما مما يتأذّى به الناس، ولكن اصبر على ذلك منهما، واحتسب في الأجر صبرك عليه منهما، كما صبرا عليك في صغرك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: