Tafsir
Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) — 16:66
Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) · Muhammad ibn Jarir al-Tabari
فجمع اللغتين كلتيهما في معنى واحد، فإذا كان ذلك كذلك، فبأية القراءتين قرأ القارئ فمصيب، غير أن أعجب القراءتين إليّ قراءة ضمّ النون لما ذكرت من أن أكثر الكلامين عند العرب فيما كان دائما من السقي أسقى بالألف فهو يُسْقِي، وما أسقى الله عباده من بطون الأنعام فدائم لهم غير منقطع عنهم. وأما قوله ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ وقد ذكر الأنعام قبل ذلك، وهي جمع والهاء في البطون موحدة، فإن لأهل العربية في ذلك أقوالا فكان بعض نحويِّي الكوفة يقول: النَّعم والأنعام شيء واحد، لأنهما جميعًا جمعان، فردّ الكلام في قوله ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ إلى التذكير مرادًا به معنى النَّعم، إذ كان يؤدي عن الأنعام، ويستشهد لقوله ذلك برجز بعض الأعراب:
إذا رأيْتَ أنْجُما منَ الأسَدْ ... جَبْهَتهُ أوِ الخَرَاة والكَتَدْ ... بال سُهَيْلٌ فِي الفَضِيخِ فَفَسَدْ ... وطابَ ألْبانُ اللِّقاحِ فَبَرَدْ
ويقول: رجع بقوله "فبرد" إلى معنى اللبن، لأن اللبن والألبان تكون في معنى واحد، وفي تذكير النعم قول الآخر:
أكُلَّ عامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهُ ... يُلْقحُهُ قَومٌ وتَنْتِجُونَهُ فذكر النعم؛ وكان غيره منهم يقول: إنما قال ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ لأنه أراد: مما في بطون ما ذكرنا وينشد في ذلك رَجزا لبعضهم:
مِثْلُ الفِراخِ نُتِفَتْ حَوَاصِلُهُ
وقول الأسود بن يَعْفُر:
إنَّ المَنِيَّةَ والحُتُوفَ كلاهُما ... يُوفي المَخارمَ يَرْقُبانِ سَوَادِي
فقال: كلاهما، ولم يقل: كلتاهما؛ وقول الصَّلَتان العَبْدِيّ:
إنَّ السَّماحَةَ والمُرُوءَة ضُمِّنا ... قَبْرًا بمَرْوَ على الطَّرِيقِ الوَاضِحِ
وقول الآخر: