Tafsir
Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) — 14:16-17
Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) · Muhammad ibn Jarir al-Tabari
القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول عزّ ذكره: ﴿من ورائه﴾ ، من أمام كل جَبار ﴿جهنم﴾ ، يَرِدُونها.
* *
و"وراء" في هذا الموضع، يعني أمام، كما يقال: "إن الموت مِنْ ورائك"، أي قُدّامك، وكما قال الشاعر:
أَتُوعِدُنِي وَرَاءَ بَنِي رِيَاحٍ ... كَذَبْتَ لَتَقْصُرَنَّ يَدَاكَ دُونِي ...
يعني: "وراء بني رياح"، قدَّام بني رياح وأمَامهم.
* *
وكان بعض نحويِّي أهل البَصرة يقول: إنما يعني بقوله: ﴿من ورائه﴾ ، أي من أمامه، لأنه وراءَ ما هو فيه، كما يقول لك: "وكلّ هذا من ورائك": أي سيأتي عليك، وهو من وراء ما أنت فيه، لأن ما أنت فيه قد كان قبل ذلك وهو من ورائه. وقال: ﴿وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [سورة الكهف: ٧٩] ، من هذا المعنى، أي كان وراء ما هم فيه أمامهم.
* *
وكان بعض نحويي أهل الكوفة يقول: أكثر ما يجوزُ هذا في الأوقات، لأن الوقت يمرُّ عليك، فيصير خلفك إذا جزته، وكذلك ﴿كَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ ، لأنهم يجوزونه فيصير وراءهم.
* *
وكان بعضهم يقول: هو من حروف الأضداد، يعني وراء يكون قُدَّامًا وخلفًا.
* *
وقوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ ، يقول: ويسقى من ماءٍ، ثم بيَّن ذلك الماء جل ثناؤه وما هو، فقال: هو "صديد"، ولذلك رد "الصَّديد" في إعرابه على "الماء"، لأنه بيَانٌ عنه.
* *
و "الصديد"، هو القَيْحُ والدم.
* *
وكذلك تأوَّله أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: