Tafsir
Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) — 2:102
Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) · Muhammad ibn Jarir al-Tabari
وقد زعم بعض الزاعمين أن قوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ ، يعني به الشياطين، وأن قوله: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ ، يعني به الناس. وذلك قول لجميع أهل التأويل مخالف. وذلك أنهم مجمعون على أن قوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾ ، معني به اليهود دون الشياطين: ثم هو - مع ذلك - خلاف ما دل عليه التنزيل. لأن الآيات قبل قوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾ ، وبعد قوله: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ ، جاءت من الله بذم اليهود وتوبيخهم على ضلالهم، وذما لهم على نبذهم وحي الله وآيات كتابه وراء ظهورهم، مع علمهم بخطأ فعلهم. فقوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ ، أحد تلك الأخبار عنهم.
* *
وقال بعضهم: إن الذين وصف الله جل ثناؤه بقوله: ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون﴾ ، فنفى عنهم العلم، هم الذين وصفهم الله بقوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ . وإنما نفى عنهم جل ثناؤه العلم بقوله: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ - بعد وصفه إياهم بأنهم قد علموا بقوله: ﴿ولقد علموا﴾ - من أجل أنهم لم يعملوا بما علموا. وإنما العالم العامل بعلمه، وأما إذا خالف عمله علمه، فهو في معاني الجهال. قال: وقد يقال للفاعل الفعل بخلاف ما ينبغي أن يفعل، وإن كان بفعله عالما:"لو علمت لأقصرت" كما قال كعب بن زهير المزني، وهو يصف ذئبا وغرابا تبعاه لينالا من طعامه وزاده:
إذ إذا حضراني قلت: لو تعلمانه!! ... ألم تعلما أني من الزاد مرمل
فأخبر أنه قال لهما:"لو تعلمانه"، فنفى عنهما العلم، ثم استخبرهما فقال: ألم تعلما؟ قالوا: فكذلك قوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾ و ﴿لو كانوا يعلمون﴾
* *