Tafsir
Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) — 2:78
Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) · Muhammad ibn Jarir al-Tabari
والذي يدل على صحة ما قلنا في ذلك - وأنه أولى بتأويل قوله: ﴿إلا أماني﴾ من غيره من الأقوال - قول الله جل ثناؤه: ﴿وإن هم إلا يظنون﴾ . فأخبر عنهم جل ثناؤه أنهم يتمنون ما يتمنون من الأكاذيب، ظنا منهم لا يقينا. ولو كان معني ذلك أنهم"يتلونه"، لم يكونوا ظانين، وكذلك لو كان معناه:"يشتهونه". لأن الذي يتلوه، إذا تدبره علمه. ولا يستحق - الذي يتلو كتابا قرأه، وإن لم يتدبره بتركه التدبر أن يقال: هو ظان لما يتلو، إلا أن يكون شاكا في نفس ما يتلوه، لا يدري أحق هو أم باطل. ولم يكن القوم - الذين كانوا يتلون التوراة على عصر نبينا محمد ﷺ من اليهود -فيما بلغنا- شاكين في التوراة أنها من عند الله. وكذلك"المتمني" الذي هو في معنى"المشتهي" غير جائز أن يقال: هو ظان في تمنيه. لأن التمني من المتمني، إذا تمنى ما قد وجد عينه. فغير جائز أن يقال: هو شاك، فيما هو به عالم. لأن العلم والشك معنيان ينفي كل واحد منهما صاحبه، لا يجوز اجتماعهما في حيز واحد. والمتمني في حال تمنيه، موجود تمنيه، فغير جائز أن يقال: هو يظن تمنيه.
* *
وإنما قيل: ﴿لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ ، والأماني من غير نوع"الكتاب"، كما قال ربنا جل ثناؤه: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] و"الظن" من"العلم" بمعزل. وكما قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩-٢٠] ، وكما قال الشاعر:
ليس بيني وبين قيس عتاب ... غير طعن الكُلَى وضرب الرقاب
وكما قال نابغة بني ذبيان:
حلفت يمينا غير ذي مَثْنَوية، ... ولا علم إلا حسنَ ظن بصاحب في نظائر لما ذكرنا يطول بإحصائها الكتاب.