Tafsir
Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) — 1:6
Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) · Muhammad ibn Jarir al-Tabari
وفي قول الله جل ثناؤه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ما ينبئ عن خطأ هذا التأويل، مع شهادة الحجة من المفسِّرين على تخطئته. وذلك أنّ جميع المفسرين من الصحابة والتابعين مجمِعُون على أنّ معنى " الصراط " في هذا الموضع، غيرُ المعنى الذي تأوله قائل هذا القول، وأن قوله: " إياك نستعينُ" مسألةُ العبدِ ربَّه المعونةَ على عبادته. فكذلك قوله " اهْدِنا " إنما هو مسألةُ الثباتِ على الهدى فيما بقي من عُمُره.
والعربُ تقول: هديتُ فلانًا الطريقَ، وهَديتُه للطريق، وهديتُه إلى الطريق، إذا أرشدتَه إليه وسدَّدته له. وبكل ذلك جاء القرآن، قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [سورة الأعراف: ٤٣] ، وقال في موضع آخر: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة النحل: ١٢١] ، وقال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ .
وكل ذلك فاش في منطقها، موجودٌ في كلامها، من ذلك قول الشاعر:
أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ، ... رَبَّ العِباد، إليهِ الوَجْهُ والعَمَلُ
يريد: أستغفر الله لذنْب، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [سورة غافر: ٥٥] .
ومنه قول نابغة بني ذُبْيان:
فَيَصِيدُنَا العَيْرَ المُدِلَّ بِحُضْرِهِ ... قَبْلَ الوَنَى وَالأَشْعَبَ النَبَّاحَا
يريد: فيصيدُ لنا. وذلك كثير في أشعارهم وكلامهم، وفيما ذكرنا منه كفاية.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ .