Tafsir
Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) — 1:1
Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) · Muhammad ibn Jarir al-Tabari
والذي قال عطاءٌ من ذلك غيرُ فاسد المعنى، بل جائز أن يكون جلّ ثناؤه خصّ نفسه بالتسمية بهما معًا مجتمعين، إبانةً لها من خلقه، ليعرف عبادُه بذكرهما مجموعينِ أنه المقصود بذكرهما دون مَنْ سواه من خلقه، مع مَا في تأويل كل واحد منهما من المعنى الذي ليس في الآخر منهما.
وقد زعم بعضُ أهل الغَباء أنّ العرب كانت لا تعرف "الرحمن"، ولم يكن ذلك في لغتها ولذلك قال المشركون للنبي ﷺ: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [سورة الفرقان: ٦٠] ، إنكارًا منهم لهذا الاسم، كأنه كان محالا عنده أن ينكر أهل الشرك ما كانوا عالمين بصحته، أوْ: لا وكأنه لم يتْلُ من كتاب الله قول الله ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ - يعني محمدًا - ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٤٦] وهم مع ذلك به مكذِّبون، ولنبوته جاحدون! فيَعلمَ بذلك أنهم قد كانوا يدافعون حقيقةَ ما قد ثبت عندهم صحتُه، واستحكمتْ لديهم معرفتُه. وقد أنشد لبعض الجاهلية الجهلاء:
أَلا ضربَتْ تلكَ الفتاةُ هَجِينَهَا ... أَلا قَضَبَ الرحْمَنُ رَبِّي يَمِينَهَا
وقال سلامة بن جَندلٍ السَّعْدي:
عَجِلْتُمْ عَلَيْنَا عَجْلَتَيْنَا عَلَيْكُمُ ... وَمَا يَشَإ الرحْمَنُ يَعْقِدْ وَيُطْلِقِ
وقد زعم أيضًا بعضُ من ضعُفت معرفتُه بتأويل أهل التأويل، وقلَّت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير، أنّ "الرحمن" مجازه: ذو الرحمة، و "الرحيم" مجازه: الرّاحم ، ثم قال: قد يقدِّرون اللفظين من لفظٍ والمعنى واحد، وذلك لاتساع الكلام عندهم. قال: وقد فعلوا مثل ذلك فقالوا: ندمان ونَديم، ثم استشهد ببيتِ بُرْج بن مُسْهِر الطائي: